مقدمة العساس | ربما يعيش رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو أسوأ فتراته في الحكم، وسط تحديات كبيرة داخلية تتمثل بتحقيقات الفساد والحكومة غير المستقرة، وتحديات خارجية تتمثل بالتحرك الحذر على جبهة لبنان، وتراجع منتقد “إسرائيليًا” على جبهة غزة.

هذا المقال المترجم عن هآرتس يتحدث عن التحرك “الإسرائيلي” الحالي على الحدود الشمالية، وعلاقتها بالأزمات الشخصية التي تعصف بنتنياهو.

ترجمة العساس | إذا كانت الثقة التي يظهرها جهاز الاستخبارات حول المعلومات التي بين يديه صلبة، وقتها يمكن لـ “إسرائيل” سلب العدو قدرة مهمة تقوم عليها كلّ حرب مستقبلية، وهي الترسانة العسكرية الصاروخية التي بحوزة حزب الله، والتجربة في إطلاقها ودرجة الدقة، ومع هذا تعتبر الأنفاق بمثابة الجزء بالغ الأهمية أيضًا.

بعد حرب 2014 في غزة، فهمت “إسرائيل” أن حزب الله يستعدّ لنسخ نموذج حماس في المهاجمة عبر الأنفاق في الجنوب، وكما يبدو أن الأنفاق في الشمال أقصر وأقل عددًا وتأتي لتلبية حاجات خاصّة في الجبهة الشمالية تتمثل لنقل مئات المهاجمين من قرى الجنوب إلى “إسرائيل”، وتكوّن أرضية لهجوم فوري واسع فوق الأرض.

معادلة القوى بين الخضمين واضحة، حزب الله لا يملك قوى جوية ولا يستطيع لفترة طويلة تأمين ما يقع بيده في الجليل، لكن يكفي أن تكون صدمة هذا الهجوم المفاجئ من قبل الجمهور “الإسرائيلي” بمثابة صورة انتصار لحزب الله، عندها لن تنجح كل الغارات الجوية والهجمات البرية على لبنان بمحو هذا الانطباع.

في الصيف الأخير نضجت الظروف لبدء حملة هندسية، إذ اعتقد رئيس وحدة بحث “أمان” الرقيب درور شالوم أن هناك حاجة للمزيد من المعلومات الاستخباراتية الدقيقة لتحديد الأنفاق، وهذا يؤكده رئيس هيئة الأركان جادي أيزنكوت، ورئيس المخابرات العسكرية تمير هيمان، ورئيس قيادة المنطقة الشمالية يوئيل ستريك، بأن الوقت قد حان للتصرف وأن رئيس هيئة الأركان سمح لشالوم بعرض موقف الأقلية في الحكومة.

في الوقت نفسه، نشأ نزاع حول النشاط الأكثر أهمية، وقال أفيغدور ليبرمان الذي كان بمنصب “وزير الدفاع” حينها إن التهديد لم يكن ملحًا مقارنة بالتصعيد المستمر في قطاع غزة، مدعيًا أن أيزنكوت كان يستخدم الشمال كذريعة لتبرير فشله في التحرك ضد حماس.

وعندما تسلم رئيس الأركان منصبه في فبراير شباط 2015، جعل إزالة التهديد التحت أرضي المهمة الأولى خلال فترة ولايته، وأطلقت المؤسسة الأمنية مشروع ميزانية كبير (قرابة من 4 مليارات شيكل) لبناء الجدار ضد الأنفاق في الجنوب وتطوير الوسائل التكنولوجية لتحديدها.

لكن في بداية عام 2017، بدأت البيانات الموثوقة تتراكم حول الأنفاق على طول الحدود اللبنانية، وسارع أيزنكوت بالحشد للتصرف تجاه الأزمة لعدم تكرار الخطأ والقول إن الأنفاق سوف تصدأ مثل الصواريخ، ملمحًا بذلك إلى تصريحات موشيه يعلون المثيرة للجدل كرئيس هيئة الأركان قبل حرب لبنان الثانية.

ومرّ الكثير من الوقت حتى تمكّن الجيش من الحصول على معلومات موثوقة حول الأنفاق في الشمال، وفي الصيف الماضي في ضوء التوتر المحيط بالطائرات الورقية والبالونات على حدود غزة حصل تأجيل آخر للعملية في الشمال، لكن رئيس هيئة الأركان أصرّ على عدم الانتظار طويلاً حتى الشتاء وقال “ستكون هناك ثغرات إذا لم نبدأ العمل على أنفاق الشمال”.

ماذا سيفعل حزب الله الآن؟ فوجئت المؤسسة الأمنية إلى حد ما بالهدوء النسبي الذي استقبل به النشاط “الإسرائيلي” على طول الحدود مع لبنان هذا الأسبوع، ويبدو أن حزب الله لم يكن يتوقع التحرك “الإسرائيلي” وأن قيادة التنظيم ما زالت تدرك أهمية فقدان الأصول العسكرية المكشوفة، ومع ذلك من المشكوك فيه أن يوافق نصر الله على السماح بإبقاء الساحة مفتوحة للدعاية “الإسرائيلية”.

ورغم أن التحرك الحالي ليس تصعيدًا عسكريًا، فإن الجهود المتواصلة لتحديد مكان الأنفاق سيصاحبها توتر على جانبي الحدود، والمشكلة الأكثر صعوبة التي تنتظر “إسرائيل” هي الجهود الإيرانية لبناء خطوط إنتاج في لبنان للمجموعات التي ستحسن من دقة صواريخ حزب الله.

وأعلن نتنياهو وغيره من المتحدثين “الإسرائيليين” مرارًا وتكرارًا أنهم لن يسمحوا بإنشاء المصانع، وقد تم بالفعل عرض المتفجرات التي قد تشعل الحرب المقبلة، إلى جانب ذلك لا تزال هناك العديد من القيود، لكن وفقًا لجميع المؤشرات فإن عام 2019 سيكون عامًا أمنيًا أكثر توترًا من المعتاد، بغض النظر عن الحملة الانتخابية “الإسرائيلية”.

في العام الماضي، شهد وزراء الحكومة أن أيزنكوت يقود الخطوط “الإسرائيلية” الشمالية والجنوبية إلى حد كبير، وكان هذا هو رئيس الأركان الذي دفع بنهج هجومي لوقف البناء العسكري الإيراني في سوريا، وبعده لإزالة تهديد الأنفاق في لبنان، ومن جهة أخرى دعا إلى نقطة اشتباكات صاخبة مع بعض الوزراء لاتخاذ خط الضبط في قطاع غزة.

ويبدو أن حاجة نتنياهو الحالية إلى الدعم الشعبي من الجيش تخلق أحيانًا أمورًا إشكالية، وكان هذا واضحًا في المؤتمر الصحفي الذي كان فيه كبار الضباط بمثابة إضافات في حدث سيتم دمج صور منه في حملة الليكود الانتخابية في وقت لاحق من هذا العام، وكان هذا أكثر حدة عندما أجبر نتنياهو رئيس الأركان ورئيس القيادة الجنوبية هرتسي هاليفي، على المشاركة في اجتماع سياسي مشحون مع رؤساء المجالس المحلية الشهر الماضي.

هذه الحساسية ستزداد مع تصاعد التوتر حول قرارات النائب العام افيخاي ماندلبليت، حول تقديم لائحة الاتهام ضد نتنياهو، وإذا حدث تصعيد عسكري آخر بشكل متزامن فإن خصوم رئيس الوزراء سيثيرون مسألة كيفية عمله بشكل جيد والاعتبارات نظيفة، وبالتالي فإن الشك العام سيزيد أيضًا، وهذا موضوع حاسم في بلد ما زال يعمل بالتجنيد الإجباري ومن المحتمل أن تتعرض الجبهة المدنية الداخلية لأضرار في أي سيناريو للحرب.

ويظهر أن آيزنكوت متعب من المؤتمر الصحفي الإجباري هذا الأسبوع، ويشعر بالقلق من تسريبات اجتماعات الحكومة، والهجمات على المدعي العام العسكري، ومن الميل المتزايد في تقديم الجيش على أنه ضعيف وانهزامي، وإمكانية أن يؤدي كل هذا إلى تقويض ثقة الجمهور في جيش “الإسرائيلي”.

ومن أجل البقاء في الانتخابات المقبلة، وفي ضوء الامتناع عن العملية في غزة، اضطر ليبرمان للاستقالة من الحكومة، لكن بعد الانتخابات قد لا يجد نتنياهو شريكًا أكثر راحة في وزارة الأمن، وليس فقط الخوف من تعيين نفتالي بينيت لهذا المنصب، وهذا في ظل أن الاعتبار الأول لنتنياهو هو النجاة السياسية وسط التهديد الوشيك بإصدار لوائح اتهام.

وبما أن ليبرمان، مثل الأحزاب المتشددة، لا يرى حاجة إلى استقالة نتنياهو إذا وجهت إليه الاتهامات، فمن المحتمل جدًا أن يختار نتنياهو إعادته ومكافأته في حقيبة الأمن، وبعبارة أخرى من المحتمل أن انتقادات الجيش القذرة لوزير الأمن السابق هي سابقة لأوانها.

المصدر: هآرتس
تاريخ النشر:7.12.2018
رابط المادة: https://bit.ly/2EnBQw6