مقدمة العساس | خلال حرب 1948، كان أمام “إسرائيل” فرصة كبيرة لاحتلال قطاع غزة وسيناء، في خطوة ربما كانت ستخلصها من أزماتها الأمنية المتتالية الحالية، وذلك بالقضاء على أي نواة للمقاومة المستقبلة، إلا أن هذا لم يحصل.

هذا المقال يعرض تفاصيل حملة حوريف الهادفة إلى احتلال قطاع غزة خلال حرب 1948، ويذكر أسباب الفشل في تحقيق ذلك.

ترجمة العساس | مع حلول شهر ديسمبر كانون الأول، تكتمل 70 سنة على حملة حوريف الكبيرة والمعقدة الهادفة إلى احتلال قطاع غزة خلال حرب النكبة عام 1948، والتي كانت سيغيّر الوضع الأمني في “إسرائيل”.

قبل أسبوع من بدء العملية، قال بن غوريون للحكومة إنه: “في غضون أيام قليلة سنتمكن من إنهاء صراعنا مع مصر بطردهم من النقب”، وفي ذلك الوقت، حدّد رئيس فرع العمليات ورئيس الأركان يجال يدين الغرض من العملية التي ستبدأ في 20 ديسمبر كانون الثاني 1948، وهو “تدمير قوات العدو المصري الغازية، وضمان المنطقة الجنوبية ومركز البلاد”.

وكانت القوة المصرية الواجب تدميرها من قبل الجيش الإسرائيلي تتألف من فرقة واحدة تتضمن أربعة ألوية مشاة، وألوية مدرعة، ووحدات صغيرة مستقلة، إضافة إلى قوات هندسية ومدفعية وجوية.

وتمركز لواءان مصريان من المشاة، ولواء مدرع على الحدود في قطاع غزة، بينما تم نشر لواء مشاة آخر في البؤر الاستيطانية بين عوجا الحفير على الحدود الدولية بين “إسرائيل” ومصر، بين وبير عسلوج، أمّا اللواء الرابع كان محاصرًا من قبل الجيش الإسرائيلي في جيب الفلوجة.

قبل بدء التنفيذ، خشي قائدا العملية يغال ألون، ويدين، من أن الجيش الإسرائيلي سيعاني من خسائر فادحة تمسّ كرامته في الهجوم على قطاع غزة، ولهذا أرسلا ثلاثة من الكتائب الخمسة – اللواء الثامن، ولواء النقب، ولواء هرئيل – من أجل إبادة الكتيبة المصرية المتمركزة بين عسلوج والعوجا، وذلك من خلال منع التعزيزات الممكنة للمصريين من رفح جنوب قطاع غزة، ومن أبو عقيلة في سيناء.

إضافة إلى ذلك، تم إرسال لواء غولاني إلى مناورات خداع في مواجهة قطاع غزة، ولواء ألكساندروني لـ “تشديد” الحصار على جيب الفلوجة.

كما جاءت التعليمات للقوات الجوية والبحرية والمدفعية، بقصف جميع الأنظمة المصرية على أمل أن تنهار، وبهذا يستطيع الاحتلال المرور بأقل مقاومة ممكنة، وهذا الأسلوب تكرر بعد 19 سنة في حرب الأيام الستة.

وفي المرحلة الثانية من العملية، كان من المخطط الخروج من العوجة إلى سيناء، واحتلال أم كتف، وبلدة أبو عقيلة، والتقدم ناحية العريش لعزل قطاع غزة عن طريق الإمداد الحيوي من مصر.

قائدا العملية ألون، ويدين تفاخرا بخطتهما، رغم وجود تحليل أكد أنه لا توجد فرصة لتطبيقها، ولم يتم تنفيذها في النهاية، وإذا تم الافتراض أن العملية لا تستهدف إلا لواء مصري واحد محاصر في جيب الفلوجة، نجد أن الواقع لم يختلف كثيرًا، فهذا اللواء وصلته الكثير من الإمدادات لمدة شهرين، كما أنه كسر الهجمات المتعددة، وخلّف الكثير من القتلى بصفوف الجيش الإسرائيلي.

وكانت قدرة الجيش الإسرائيلي على القصف والتفجير في ذلك الوقت، لها تأثير بسيط على ساحات القتال، كما لم يكن هناك أي فرصة بسماح الأمم المتحدة وبريطانيا والولايات المتحدة لـ “إسرائيل” بفرض حصار مطول على قطاع غزة من أجل تسليمه.

ولم تتعلم “إسرائيل” الدرس من فشل خطة الحصار في الفلوجة والحصار في عملية حوريف، لأن الخطأ تكرر بحصار عقيم للجيش المصري الثالث في حرب 1973، وأخيرًا بحصار قطاع غزة منذ سيطرة حماس عليه عام 2007.

لكن، لماذا جهز يدين خطة يائسة ووافق بن غوريون عليها؟ ربما يمكن العثور على إجابة في مذكرات رئيس الوزراء، التي كتبها في بداية العملية: “لدى ألون الانطباع بأن المصريين يريدون مغادرة البلاد، لا أعرف، لكنهم بالطبع يرغبون في التخلص من هذه المغامرة البائسة ولا يعرفون كيف”، إلا أنه اتضح عدم فهم بن غوريون وألون لمدى أهمية عامل الشرف في الثقافة المصرية، وهذا هو تمامًا الأمر الذي لم تفهمه غولدا مئير ذلك قبل حرب أكتوبر 1973.

وفي تفاصيل العملية، بدأ الجيش الإسرائيلي خطّة التمويه، وذلك بتنفيذ الطائرات والسفن الحربية لضربات على غزة لتصيب المواطنين العزل، وبالفعل وانطلت الخدعة على المصريين، وتحرّكت قواتهم من العوجا إلى غزة.

في الليل، قام حوالي 120 جنديًا من الكتيبة الثالثة عشرة من لواء جولاني، تحت قيادة نائب قائد القوات إيمانويل برشي، بمهاجمة الموقع 86 المصري، وكان هذا الموقع متاخمًا للطريق الطويل إلى قطاع غزة، شمال خانيونس وجنوب دير البلح، هذا التحرك فاجئ الجنود المصريين في البؤرة الاستيطانية وفروا.

ولكي تستمرّ الخدعة، أصدر ألون تعليمات بعدم مغادرة الموقع، لمدة 24 ساعة على الأقل، حيث كان من المفترض بدء الهجوم على المواقع بين عسلوج والعوجا، بينما قوات الكتيبة الثالثة عشرة الإسرائيلية لم يكن لديها ذخائر وإمدادات كافية، والقافلة التي كان من المفترض أن توفرها لم تصل بسبب فيضانات أحدثتها أمطار هطلت قبل العملية.

في اليوم التالي، هاجمت قوة مصرية كبيرة بما في ذلك الدبابات وقاذفات النيران بقيادة قائد سلاح المشاة المصري محمد نجيب، وضربت قوات جولاني. (في وقت لاحق أصبح نجيب قائد الثورة من الضباط، وأول رئيس مصري).

في نهاية سنوات السبعينات من القرن الماضي، خرجت شهادة نائب قائد كتيبة لوحدة من الكتيبتين التي اشتركت في المعركة واسمه أفريم راينر، وقال فيها: “كانت هناك لحظتان حاسمتان في معركة 86، الأولى كانت في الصباح، عندما أصبح من الواضح أن قافلة الإمدادات لن تصل وأننا سنُترك دون ذخيرة إضافية، ودون قذائف هاون، ولا مدافع مضادة للدبابات، وفي المستويات العليا كان هناك جدال حول البقاء أو الانسحاب، وقد تقرر البقاء، أمّا اللحظة الحاسمة الثانية، كانت في فترة ما بعد الظهر، حيث كانت السيطرة على القوات ضعيفة وتقرر الانسحاب”.

وفي شهادة قائد الكتيبة، عوزي تسيزلينغ، قال: “كان الطريق للانسحاب مليئًا بالبنادق الآلية وقذائف الهاون، العديد من القتلى والجرحى في هذا الطريق من العذاب، كنا مبللين في الوحل، ومليئين بالمرارة، على الرغم من علمنا أننا قمنا بكل ما في وسعنا، وما فوق طاقتنا”، بينما قال المقاتل جدعون برويدي: “كان لدينا العديد من الجرحى، ولم يستطع بعضهم الانسحاب، مثل أوري، مشغّل سلاح مضاد للدبابات الذي بترت ساقيه، لم نتمكن من إنقاذه في المطر والطين، لم تكن هناك نقالات، أخذنا العديد من الجرحى معنا، لكننا لم نتمكن من أخذ الإصابات الخطيرة والقتلى”، وفي نهاية المعركة، فقدت القوة 28 فردًا من مقاتليها، وأصيب 40 وجرح اثنان.

بلا رحمة حتى يستسلموا

كانت النتائج القاسية لمعركة 86 مقلقة جدا لبن غوريون، فطلب يوم الجمعة، 24 ديسمبر كانون الأول، مناقشة الوضع على الجبهة مع رئيس الأركان يجال يدين، وقيل له إن رئيس فرع العمليات ذهب إلى بئر السبع، حينا أمر العجوز يدين أن ينتظره في جديرا (المترجم: المقامة على أنقاض قرية قطرة المُهجّرة) وذهب إلى هناك مع مساعده نحميا أرغوف.

وكتب بن غوريون في مذكراته أنه قال ليدين ونائبه موشيه بار تكفا: “في هذه المناسبة، يجب أن تكون الفلوجة ضعيفة اقصفوا بلا رحمة حتى يستسلموا”، وبهذا أراد أن ينتقم من مصر على خلفية هزيمة المركز 86، إلا أنه في أسوأ أحلامه لم يتخيل أن التعويض المزمع قد يؤدي إلى هزيمة أكثر إيلامًا.

وجراء هذه التعليمات، وسّع يدين الحملة لاحتلال الفلوجة، وأصدر تعليماته إلى بار تكفا لإعداد خطة العمليات وتنسيقها مع مقرّ لواء ألكساندروني والقوات الجوية والبحرية، ووصف يدين هذه العملية بأنها “عملية تصفية”.

وخلال يومين تم التخطيط للحملة، وظل للكتائب يوم واحد فقط للتحضّر للحرب، أمّا النسبة للكتيبة المصرية فقد تمركزت في قريتي الفلوجة وعراق المنشية، ومن أجل تحقيق الهدف بالتصفية تم تحديد خطة العمل على النحو التالي: أولا، ضرب جنود العدو، ثم تدمير المنشآت العسكرية، واستمرار الغارات الليلية من قبل القوات الصغيرة والدوريات العنيفة لتقويض الأمن، ثم غزو عراق المنشية.

في ذلك الوقت، كان شارون ضابط مخابرات ودوريات في كتيبة ألكساندروني، ومهمته مراقبة المعركة من إحدى التلال القريبة، ويصف الأحداث: “كان لدينا نقصًا في تركيز الجهد وانتشار النار، والقادة كانوا بعيدون عن المعركة ولم يقرؤوا ساحتها، لقد كانت معركة بين قادة الفرق وقيادات الكتائب، كان هناك حاجة لقائد يوجهّهم”.

العجوز بن غوريون يستجم في طبريا:

مع إزالة لواء مصري صغير من قواعده بين عسلوج والفلوجة من قبل لواءين تابعين للجيش الإسرائيلي، انتهت ثلث حملة حوريف، إلا أن المصريين في الفلوجة وغزة صدّوا الهجمات بسهولة، حينا أدرك ألون أن هذا كان وصمة عار، وعلى النقيض من ذلك، أرسل الألوية الـ 8 إلى سيناء، واحتلوا أبو عقيلة وتقدّموا إلى العريش.

ووفقًا لاتفاق الدفاع المشترك لعام 1936 بين بريطانيا ومصر، كان أول من هاجم الجيش الإسرائيلي في سيناء هو الرئيس الأمريكي هاري ترومان، الذي طالب “إسرائيل” بالانسحاب الفوري.

وفي التفاصيل، انفصل بن غوريون لسبب ما عن العملية، واستجم في ينابيع طبريا الحارة، ثم ذهب ممثل الولايات المتحدة جيمس ماكدونالد إلى “إسرائيل”، حاملًا تحذير أمريكا بأنها ستعيد النظر في علاقاتها مع “إسرائيل” إذا لم تنسحب من سيناء.

جراء هذه الحراك الأميركي، تلقى ألون أمرًا بالانسحاب فورًا، لكن طلب منه أيضًا “تأجيل الانسحاب إلى ما بعد احتلال غزة”، وبعد يومين أبلغ وزير الخارجية موشيه شاريت، ماكدونالد، بأنه “لا يوجد ساق إسرائيلي على الأرض المصرية”.

ولضمان انسحاب “إسرائيل” بالفعل من سيناء، أرسل البريطانيون طائرات دورية إلى الحدود، إلا أن جنود الجيش الإسرائيلي أسقطوا واحدة منها، واعترضوا أربع طائرات، وقتلوا طيار وأسروا اثنين، في ذلك الوقت وصفت وسائل الإعلام إنجليزية ما يجري بـ “الأحداث مشينة”.

وأذن بن غوريون لألون بالسيطرة على منطقة رفح وبالتالي عزل قطاع غزة عن مصر، من أجل إنقاذ العملية وطرد المصريين من غزة، لكن هجمات ألوية غولاني وهارئيل وحدة النقب في رفح فشلت.

وفي هذه الأحداث، قال المؤرخ البروفيسور بني موريس ضمن كتابه “تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى”: “حملة حوريف اعتبرت بمثابة النصر الإسرائيلي الكبير”، بينما استخدم المفكر العسكري البريطاني الشهير باسل ليدل هارت هذه العملية كمثال على كيفية استخدام القوة في تنفيذ نموذج الاستراتيجية من النهج غير المباشر الذي طوره.

لكني د. أوري ميلشتين يختلف مع الاثنين ومع آخرين من الذين يتمسكون بذات الرأي، فبعد كل شيء، لم تنجز المهمة الرئيسية للعملية: الجيش المصري لم يتدمر أو يطرد من “إسرائيل”، بالإضافة إلى ذلك، كانت إدارة الحملة والمعارك الفردية معيبة وتكبدت “إسرائيل” ثمنًا باهظًا، وكان لدى جميع المعنيين مصلحة في الإشادة بالعملية، لكن تاريخ اليوم والوضع يثبتان أن فشل احتلال قطاع غزة في سنة 1948 أصبح مدعاة للعويل على مرّ الأجيال.

المصدر: معاريف
تاريخ النشر:20.12.2018
رابط المادة: https://bit.ly/2QWRwNn