مقدمة العساس | تعيش أحزاب الوسط في “إسرائيل” حالة من التيه والعشوائية التي امتدت لسنوات طويلة عبر التأرجح بين تأييد التوجه اليميني تارة واليساري تارة أخرى، لكنها الآن أمام فرصة حقيقية لوضع بصمة عميقة خلال الانتخابات المقبلة في 2019.

هذا المقال يتحدث عن إمكانية لعب أحزاب اليسار في “إسرائيل” لدورٍ محوري ينهي السيطرة المطلقة للأحزاب الدينية.

ترجمة العساس | يمكن أن تصبح أحزاب الوسط الجديدة برئاسة بني غانتس وأورلي ليفي أباكسيس بمثابة الجسر الأولي الذي يُعيد ربط الغالبية الصهيونية باليسار، وبهذا يكون من المرجح أن يشكلون قلب الغالبية الصهيونية.

ويدور الحديث عبر كتلة أصوات متنقلة مرتبكة وخائبة الأمل من أحزاب المركز التي مالت سابقًا إلى اليسار، والآن تميل إلى اليمين، وتنتقل في كل دورة انتخابية بين أحزاب متعددة، فجزء منها وجد موقفًا مناسبًا في حزب يش عتيد، أما باقي المحبطين يستمرون في الارتباك، وتصويتهم يعكس شوقًا لإيجاد مُخلّص جديد يبعث الأمل لهم.

(المترجم: حزب يش عتيد برئاسة يائير لابيد: وهو حزب وسط ليس يمين وليس يسار، متمسك بمصالحه).

ويعكس هذا التردد بين اليمين واليسار الأزمة السياسية القائمة منذ عقود، لأن خارطة الخلافات السياسية في “إسرائيل” علمانية تتسمّ بأنماط انتخابية “سيسيو اقتصادية” قبلية وضمن قالب خلافات تقليدي بين اليمين واليسار، والتي أصبحت مصطنعة نوعًا ما لأنها تستند إلى الصور النمطية والأفكار المسبقة التي يتم التعبير عنها بشكل أساسي في المواقف المتعلقة بالمجال السياسي الأمني.

ويبدو معسكر اليمين ظاهريًا كالصقر القومي الأكثر يهودية، والأقل تساويًا، وهو الذي يريد السيطرة على مساحة قصوى أكثر مما يسمى أرض “إسرائيل”، بينما اليسار يميل نحو التسوية السياسية والتنازل عن أجزاء من “إسرائيل”، وهو أكثر ليبرالية وأقل يهودية، ناهيك عن الدين، وهو أيضًا يُنادي حقوق الفرد.

وتم رسم الهوامش الصاخبة لكلا المعسكرين بألوان مليئة بالنمطية المشوشة التي غذّت الجدار الاغتراب بين المسكرات وانتجت شيئًا من عدم الشرعية المتبادلة بينهما، وهذا ما أدى إلى منع كل إمكانية لانتقال أصوات الناخبين بين الكتلتين من خلال إقامة ائتلاف حكومي يستند على غالبية صهيونية.

وعملت التغييرات الديموغرافية، وفشل أوسلو، وحادثة الفصل ونتائجها بـ “دولة غزة”، على إعادة الكثير من الناخبين لانتخاب أحزاب الوسط التي تميل لليمين، ولكن هذه الحقائق لم تخفِ جدران الاغتراب ولم تخلصنا من فخ الـ 22 للغالبية الصهيونية.

(المترجم، الديموغرافية: الكثافة السكانية العربية مقابل اليهودية في فلسطين المحتلّة)

ويحدث هذا عندما تعبّر الأحزاب الصهيونية عن رأي الغالبية لتحافظ على التنافس بين الكتل على مفهوم الحكومة، بينما تخلق تمايزًا أمنيًا وسياسيًا وصناعيًا قديم وتقليدي، على حساب إهمال القيم الاجتماعية والأخلاقية التي كان من المفترض أن يتم تقاسمها والاتفاق عليها.

وتتكرر هذه النتيجة لأن مئات الآلاف من الناخبين المحبطين غير قادرين على تحرير أنفسهم من القوالب النمطية القبلية والتغلب على جدار الاغتراب، وهي أيضًا تبحث عن محطة لرسو السفن السياسية المؤقتة في حزب يتمتع بجو جديد لا يكون منافقا بالنسبة للكتلة الأخرى.

ومن هنا تنتج مسرحية العبث التي تكون فيه كتل اليسار تدفع حزب الليكود إلى أحضان “الشركاء الطبيعيين”، وهم الأحزاب الحريدية غير الصهيونية المتطرفة التي تمنحها استقراراً حكوميًّا، وفي المقابل، تحصل على ثمن اجتماعي واقتصادي ثقيل يشتمل على ضرر للبنية التحتية الإيديولوجية الصهيونية في “إسرائيل”.

لقد أصبح النظام السياسي الحكومي أسيرًا لموازنة حريدية متشددة ظلت لعقود من الزمن مهيمنة فعليًا على “إسرائيل” وتفرض قيمها، وهكذا تم توجيه النظام السياسي إلى التخلي عن محتويات الهوية اليهودية لصالح مجموعات الأقلية الأرثوذكسية المتطرفة، وهذا خلق حالة رعاية لمجتمع توراتي غير منتج.

خطر فقد “إسرائيل” سيكون حقيقيًا إذا لم يتم كسر الإصرار بخلق التمايز الاصطناعي حول قضايا الأمن والسياسة، وصياغة ائتلاف الأغلبية الصهيونية حول الهوية اليهودية “الإسرائيلية”، والانتخابات المقبلة في عام 2019 هي فرصة استثنائية للخروج من الفخ والعودة إلى ائتلاف قائم على أساس الأغلبية الصهيونية.

وسيقتضي النموذج السياسي – الأمني المقبول للأغلبية الصهيونية أن يكون غور الأردن تحت السيطرة “الإسرائيلية”، وبما في ذلك الحفاظ على الكتل الاستيطانية، إلى جانب الحكم الذاتي الفلسطيني باعتباره هجينًا بين الدولة والاستقلال الذاتي.

أمّا إذا لم تندمج هذه الأحزاب، سيكون هذا الائتلاف خاليًا من الإصلاح الاجتماعي الحقيقي للقطاعات المهملة والتشوهات التي تؤثر على القوة القومية – الاجتماعية والاقتصادية وخاصة الأخلاقية.

وإذا كان هذا هو الهدف الذي حددوه لأنفسهم، فإنهم سينجحون من وراء جموع الناخبين المتنقلين لجمع مئات الآلاف من الأصوات من الكتلتين، وخاصة من الأحزاب الضائعة في الكتلة اليسارية، التي تصرّ على عدم الانضمام إلى الائتلاف الذي يقوده الليكود، وهذه الأصوات لا تعي أنها ستكون سعيدة بالمرور عبر جسر الربط الجديد، حيث ستكون أول لغة صهيونية حقيقية في تاريخ “إسرائيل”.

المصدر: يديعوت أحرنوت
تاريخ النشر:12.10.2018
رابط المادة:https://bit.ly/2A49kf7