مقدمة العساس | الاحتلال “الإسرائيلي” لفلسطين لم يبدأ فقط منذ أحداث النكبة عام 1948 وما بعدها من هزائم ونكسات، إنما سبق ذلك إعداد ورؤية وتخطيط يهودي لكسب كل دعم ممكن من أجل تحقيق هدف تأسيس الدولة، وهذا لا يكون إلا بحلفاء مباشرين أو عبر قنوات عربية يتم استغلالها بأكثر من أسلوب.

هذا المقال يعرض تفاصيل اجتماعات جمعت قادة يهود بالقيادة الأردنية عام 1924، حيث تضمنت قبول أردني بفكرة إنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين بل ومنح اليهود قطعة أرض كهدية فهل الحديث عن الباقورة والغمر أم هو مجاز عابر؟!

 

ترجمة العساس | جمع لقاء سرّي عدد من القادة اليهود في العاصمة الأردنية عمّان مطلع عام 1924، بالملك حسين بن علي والد عبد الله الأول الذي قال لهم: “أنا مستعدّ أن أعطي اليهود أرضًا كهدية، بشرط أن يدخلوا من المدخل ولا يصنعوا خرقًا من الجدار ويدخلوا إلى الداخل، والمستقبل سيثبت لليهود أنه لا يوجد أي سبب أن يخافوا من العرب”.

وخُصّص اللقاء لعرض الرؤية اليهودية لحياة مشتركة وذلك أمام القادة العرب، ولتوضيح رغبة اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين وطلب مساعدة من الملك لتهدئة الأوضاع على خلفية التوترات مع العرب الفلسطينيين.

وتناولت الصحف العربية موضوع اللقاء حينها، لكن التفاصيل ظلت طيّ الكتمان طيلة قرن من الزمان تقريبًا، وتكشف الآن للمرة الأولى، إذ وُجِدَ بروتوكول الجلسة السرية الذي كتبه رئيس لجنة العمال في اللجنة القومية دافيد يلين، في أرشيف الناشط الصهيوني الذي عمل كسكرتير للجنة حاييم يفييت.

وكتب دافيد يلين في رأس الصفحة: “صديقي العزيز، نحن نتشرف بعرض تفاصيل سفر البعثة اليهودية إلى عمّان، وتفاصيل الأمور هي سرية ليست للنشر، لا للصحافة ولا لأي أشخاص آخرين، هي ليست للنشر!”.

وضمّت البعثة حينها بجانب دافيد يلين، مدير قسم السياسات الصهيونية في القدس الكولونيل فريدريك كيش، والحاخام الرئيس في فلسطين ياعكوب مائير، وحينها وصف يلين كيف تم استقبالهم في عمّان: “وقف الجنود صفين إلى المنزل الذي كان مقر إقامة الملك، وعندما مررنا قاموا برفع أسلحتهم ودخلنا ورحب بنا الأمير عبد الله”.

ويضيف يلين أنه بالإضافة للملك حسين بن عليّ كان الأمير عبد الله الأول حاضرًا رفقة مستشار الملك للشؤون الخارجية فؤاد الخطيب، ومندوب الحكومة اللبنانية السابق جون فيليب، إذ تم خلال اللقاء تقليد الحاخام مائير ميدالية شرف له وللوكالة اليهودية.

وجاء افتتاح اللقاء عبر كلمة يلين الذي قال: “نحن اليهود، الذين عاشوا في أرض “إسرائيل” نعود إليها، جميعنا يريد تطوير الأرض في العمل المشترك مع العرب، لأن الشعبين بمثابة الأخوين لأب واحد، إبراهيم”، مضيفًا: “اليهود والعرب قادوا التطوّر في العالم معًا، لقد كان عملنا معًا كبيرًا خاصة في العصور الوسطى أيام الظلام في أوروبا، عندما عمل اليهود والعرب معًا لنشر الحكمة والعلم، والآن بعد أن نعود لإحياء بلدنا، فقط عاطفة واحدة تملأ قلوبنا، أننا نستطيع النهضة بهدوء ونشاط مع إخواننا العرب”.

وكان رد الملك حسين بن علي أن مشاعر اليهود لا صحة لها، وقال: “قلبي وأرضي مفتوحة لليهود. أنا مستعد أنا أعطي اليهود أرضا كهدية، بشرط أن يدخلوا من خلال المدخل وأن لا يفجروا فتحة بالحائط ليدخلوا للداخل. المستقبل سيثبت لهم أنه ليس لديهم سبب للخوف من العرب.”

وعقب هذا اللقاء، استمر ممثلو اللجنة القومية اليهودية بالاجتماع مع الأمير عبد الله الذي كان أقل دبلوماسية من والده، إذ طلب يلين من عبد الله أن يؤثر على العرب الفلسطينيين، وجاء رد الأمير في حوار مع قادة صهاينة آخرين: “يبدو أن أفعال الصهاينة ليست جيدة بمستوى أقوالهم، وأظنّ أن هناك أهداف خفية للصهيونية”.

أمّا مدير قسم السياسات الصهيونية في القدس الكولونيل فريدريك كيش، طلب من الملك أن يساعد يهود اليمن، لكنه رد على شكوك الأمير عبد الله وقال: “لا يوجد لليهود أهداف خفية، هم يطمحون فقط إلى العودة لأرض “إسرائيل” ويحيوا بها حياة قومية دون سلب العرب حقهم، ونشاطات الصهيونية الحالية تشهد أنه لا يوجد أهداف خفية أخرى.”

وبهذا السياق سأل الأمير عبد الله الأول ” وما معنى وعد بلفور؟، فأجاب كيش بأن “تصريح بلفور هو اعتراف بالحقائق التاريخية، المتمثلة بثلاث حقائق، الأولى أن اليهود كانوا يومًا أمة في أرض “إسرائيل”، والثانية هي أنهم طردوا بالقوة، بينما الحقيقة الثالثة هي أن اليهود لم يفقدوا قط اعترافهم الوطني بأرض “إسرائيل” كوطنهم، ووعد بلفور يعترف بهذه الحقائق وحقوق اليهود”.

وعاد عبد الله الأول وقال: “في حين أن حقوق العرب في فلسطين ذات قيمة تاريخية وقانونية، إلا أن في الواقع حقوق شعب يعيش على أرضه، واليهود يجلسون في جميع البلدان”.

هذه اللقاءات تمت منذ 94 سنة، وأكد حينها عبد الله الأول ضرورة التوصل إلى اتفاق بسرعة لأن “الوقت يلعب ضد الجانبين”، مضيفًا أنه: “يفهم مشاعر الشعب العبري الذي يتوق إلى وطنه وبلده، وأنه سيكون مسرورًا جدًا لو لم يطرد من أرضه منذ ألفي عام، لكن الحقوق السياسية للشعب العربي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار”.

ووعد الأمير عبد الله أنه “إذا تم الحفاظ على الحقوق السياسية للعرب، فإنهم سيرحبون باليهود ليس فقط في أرض “إسرائيل” ولكن أيضًا في الدول العربية الأخرى”، وسط ضرورة ماسة لحل المسألة قبل أن ينفد صبر العرب.

المصدر: واينت
تاريخ النشر: 18.11.2018
رابط المادة: https://bit.ly/2Kij8pC