بماذا لم يتهموها؟!! بكونها الأكثر ديمقراطية، والأقل يهودية، والأكثر تعدّدية، والأقل محافظة، والأكثر غنى، وفيها غلاء معيشة…الخ. هل مدينة تل أبيب منفصلةٌ حقًا عن باقي المدن الإسرائيلية؟ أم أنّ الضجة التي أثيرت حولها، مرّة أخرى من جديد، بعيدة كل البعد عن الواقع؟

ليس من المؤكد أن عضو الكنيست عن حزب الليكود اليميني، ميكي زوهر، كان قد توقّع الضجّة التي أثارتها تصريحاته عندما قال: “تل أبيب تُدار كدولة بحدّ ذاتها، الناس لا يفهمون ذلك، هي ليست جزءًا من دولة “إسرائيل”؛ بل هي شيٌء منفردٌ كليًا”. بكل تأكيد، زوهر لم يكن الأول، وعلى ما يبدو لن يكون الأخير الذي يتطرّق لمسألة انفصال المدينة العبرية الأولى عن الدولة التي تقع داخلها. هذا النقاش والنقد الناجم عن كون تل أبيب أشبه بالـ”فقاعة”، يلازم المدينة منذ عشرات السنين؛ إلاّ أنّ شعور الانفصال بات يكسر كل الأرقام القياسية في السنة الأخيرة، نابعًا من عدة عوامل سياسية واقتصادية. إنّ انتفاضة السكاكين، والتي تقع معظم عملياتها في مدينة القدس وأراضي “يهودا والسامرة”، أبقت على تل أبيب كملجأ أخيرٍ تقريبًا، بالرغم من كل “العمليات التخريبية” التي وقعت فيها. حتى عملية “شارع ديزنغوف” الأخيرة لم تستطع تغيير هذا الشعور حتى فترةٍ ما.

على الصعيد السياسي، وبعد سبعة سنوات متواصلة سيطر فيها حزب الليكود اليميني على الحكومة بزعامة بيبي نتنياهو، نستطيع القول إن سكان تل أبيب باتوا  منفصلين عن مواقف الحكومة المتواجدة في القدس أكثر من أي وقتٍ مضى. فالحديث عن المدينة التي حظي بها “المعسكر الصهيوني” على نسبة 34% من أصوات السكان خلال انتخابات الكنيست الأخيرة، برئاسة زعيم المعارضة بيجي هرتسوغ. في الوقت الذي حصل فيه حزب “يوجد مستقبل”، برئاسة يئير لابيد، على 13% من الأصوات. وحصل حزب “ميرتس” اليساري على 12% من الأصوات. في المقابل، حصل حزب الليكود اليميني المُسيطر على 18% من أصوات الناخبين.

من الناحية الاقتصادية، لا شكّ أن هنالك استقلال اقتصادي لمدينة تل أبيب. ففي الأيام التي يُعدّ انعدام المساواة أكبر المشاكل المتفاقمة في المجتمع الإسرائيلي، حيث تصنّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) “إسرائيل” كدولة ذات أعلى نسب فقرٍ في المنظمة؛ يعيش سكان تل أبيب مستوى معيشةٍ متمايزٍ تقريبًا عن باقي مدن الدولة، أي أن سكانها يحظون بدخلٍ أعلى ويستهلكون أكثر. فمعدل دخل الفرد العامل في تل أبيب هو 11,855 شيقلًا (حتى عام 2013)، وهو رقمٌ يزيد بِحوالي 2,800 شيقلٍ عن معدل الدخل العام لسكان “إسرائيل”. في المقابل، فإنّ معدل المصروفات الشهرية للاحتياجات العائلية المعيشية في تل أبيب هو 15,710 شواقل في الشهر الواحد، وذلك أكثر بـحوالي 1,200 شيقلٍ عن المعدل القطري للسكان.

إضافة إلى ذلك، في عام 2013، كان معدّل أجور المساكن التي تحوي ثلاثة غرف في تل أبيب 4,500 شيقل، في الوقت الذي كان فيه المعدل القُطري 3,000 شيقل. أما المساكن الأكبر من حيث المساحة، أي حتى خمس غرف، فكانت أجورها في تل أبيب حوالي 6,500 شيقل في الشهر. في المقابل، كان أجرها يزيد قليلًا عن 4,000 شيقلٍ في المعدل القُطري لباقي أرجاء الدولة. 13% فقط من سكان تل أبيب تخلّفوا عن دفع الفواتير عام 2014؛ بينما كانت نسبة المتخلّفين عن دفع الفواتير بحسب المعدل القٌطري العام حوالي 24% من السكان. 21% فقط من سكان تل أبيب تنازلوا عن الخدمات الطبية العامة والخدمات الطبية لمعالجة الأسنان؛ بينما تنازل 42% عن تلك الخدمات في باقي أنحاء الدولة. 27% فقط من المحتاجين لأنظمة التدفئة والتبريد في تل أبيب تنازلوا عنها لأسباب اقتصاديّة عام 2014، في المقابل، 41% تنازلوا عن هذه الأنظمة في المعدل القُطري.

في إحدى الدراسات السابقة، وُجد أنّ الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد في تل أبيب يزيد بثلاثة أضعافٍ عن الناتج المحلّي الإجمالي للفرد الواحد في كل الدولة. وفي الوقت الذي يعيش 5,2% من سكان “إسرائيل” في تل أبيب، فإنّ 15,2% من العمال في “إسرائيل” يعملون فيها، و16,7% من الإنتاج المحلي الإسرائيلي يأتي منها.

كما أنّ نسبة الشريحتين الضعيفتين في المجتمع الإسرائيلي، وهما العرب والمتدينين اليهود، يعيشون في تل أبيب بنسبٍ منخفضةٍ نسبيًا مقارنة مع باقي أرجاء الدولة، في الوقت الذي يعدّ فيه ضمّ هاتين الشريحتين إلى القطاع الاقتصادي من أكبر التحديات التي يواجهها اقتصاد الدولة.

المعطيات المذكورة تظهر القوة الاقتصادية لمدينة تل أبيب، وهي فعلًا قد تفسّر مزاعم غطرسة تل أبيب تجاه باقي أرجاء الدولة -إن صحّ التعبير- والفاحص لتلك المعطيات، يرى أن الحل للمشاكل الاقتصاديّة الإسرائيلية يكمن بتحويلها إلى دولة تشبه مدينة تل أبيب، بأدائها وأنظمتها الاقتصادية. فلسفة مدينة تل أبيب تنصّ على أنّه إن كان هنالك مجالٌ للحديث في أمر ما، فينبغي أن يكون للتعلّم من تلك المدينة واتّباع خطاها. لكنّ الأمر ليس بتلك البساطة، فاستنادًا إلى حقيقة قوة تل أبيب النابعة من دولة “إسرائيل”، فإنّ دعم الاقتصاد الإسرائيلي متعلقٌ بتصدير قوّة تل أبيب الاقتصادية من داخلها إلى خارجها.

من بين 407 آلاف عاملٍ في تل أبيب ويافا، 63% ليسوا من سكان المدينة. وإذا أضفنا إليهم باقي المواطنين الذين يأتون لتل أبيب يوميًا من أجل خدمات متنوعة، نجد أنّ حوالي 700 ألفٍ من مواطني الدولة، والذين يعيشون خارج تل أبيب، يزورونها يوميًا.

تتميز مدينة تل أبيب بارتفاع نسب سكانها الذين لم يولدوا فيها (يبلغ 78% في تل أبيب، و70% في باقي “إسرائيل”). لذا، من المهم التنويه أنّ سكان تل أبيب مُشكّلون من جميع أطياف المواطنين الإسرائيليين، سواء من أهالي “الكيبوتسات” في الشمال أو مدن التنمية في الجنوب، الذين هاجروا إلى المدينة.

قد يصف ذلك الفروقات العديدة داخل مدينة تل أبيب، وفي أرجاء ضواحيها وأحيائها المختلفة، التي تفوق الفروقات بينها أحيانًا الفروقات بين باقي مناطق الدولة. ففي سياق تعاملنا مع تل أبيب كدولة، سنجد فيها مناطقًا متمايزة بشكلٍ كبير، لا تشابه يذكر فيما بينها. فنفس الاختلاف بين بعض القرى والأحياء في الشمال الإسرائيلي والجنوب، نجده بين مركز مدينة تل أبيب القديم وحي “ياد إلياهو”، وحتى أن يافا لا تشبه تل أبيب من حيث المباني ولا البنى التحتية، ولا بالدخل المعيشي أو حتى بعادات الاستهلاك والثقافة. فمن هذه الناحية، عدم المساواة الإسرائيلي موجود أيضًا في مدينة تل أبيب.

بالرغم من كل المعطيات المختلفة المذكورة أعلاه، لا تُقارن تل أبيب نفسها بشقيقاتها داخل حدود الدولة، كمدينة حيفا في الشمال أو بئر السبع في الجنوب. سكانها وقادتها يرون مدينتهم كجزءٍ من نادٍ عالميٍ للمدن، يضمّ برلين وأمستردام، اللتين تشابهانها من ناحية مستوى المعيشة والبنى التحتيّة والفعاليات الثقافيّة والحياة الليليّة.

 

المصدر: صحيفة هآرتس \ الملحق الاقتصادي – ذا ماركر

الرابط: http://www.haaretz.co.il/tmr/1.2822610

Leave a Reply

Your email address will not be published.