مقدّمة العساس| كانت الجالية اليهودية في العراق احدى الجاليات الغنية تملك الكثير من الممتلكات في العراق، ولكن الحركة الصهيونية أقنعت هذه الجالية بمغادرة العراق بطرق طوعية وقسرية، والهجرة إلى فلسطين. وحين طالبت هذه الجالية بالتعويض بممتلكاتها تنكرت “إسرائيل” لها، بوضع تلك الممتلكات بمعادلة تعويضية صعبة فبعد ان جمدت الحكومة العراقية تلك الممتلكات قامت “إسرائيل بتأميمها وطالبت بها كممتلكات دولة. مما مكنها من التهرّب من التعويض اليهود العراقيين.

ترصد هذه المقالة من هآرتس، التي كتبها البروفيسور عراقي الأصل يهودا شنهاف عن الظلم الذي الحقته الصهيونية وإسرائيل بهؤلاء .

 

ترجمة العساس| في السنوات ما بين 1948-1951، وجدت حكومة”إسرائيل نفسها تقف أمام اثنتين من الدعاوى المتقاطعة. الأولى كانت دعوة الأمم المتحدة وأمريكا وبريطانيا المطالبة بتعويض الفلسطينيين اللاجئين عام1948 عن ممتلكاتهم التي تأمّمت على يد الوصي العامل على أملاك دولة “إسرائيل”. والثانية كانت مطالبة يهود العراق ووكلائهم في الحكومة “الإسرائيلية” – مثل الوزير شتريت، تعويضهم عن تأميم ممتلكاتهم في العراق. استغلت “إسرائيل” هذه الفرصة وفتحت حساب علاقة متبادلة بين ممتلكات العربية 1948 وممتلكات يهود العراق. وهكذا أعفت نفسها من المطلبين معا.من جهة انتقمت بعدم تعويض الفلسطينيين للظلم الذي ألحقته العراق بعدم تعويض اليهود. ومن جهة اخرى وجهت يهود العراق للمطالبة بتعويضات من حكومة العراق. هذا التلاعب في المحاسبة مكّن حكومة “إسرائيل” أن تتخلّى تخليا (شرعيا)  من مسؤوليتها عن تعويض اللاجئين العرب عام 1948 عبر تخليها عن تعويض يهود العراق عن ممتلكاتهم. وصف إجراءات المحاسبة في الحكومة “الإسرائيلية” بشأن ممتلكات اليهود يفتح نافذة جديدة لفهم ما يسمى “عملية عزرا ونحميا” ويكشف عن غرز خام القصّة وتلفيق الحكومة الإسرائيلية لقصّة مهاجري العراق كيفما تظهر بالكتب التعليمية والمعلومات المغسولة (المشوّهة- ديماغوغيا) في الذاكرة “الإسرائيلية”.

 

كان بداية النشاط الصهيوني في العراق خلال الحرب العالمية الثانية. وصل المبعوثون الصهاينة الأوائل إلى العراق عام1942 كجنود في الجيش البريطاني او ممثلين عن سولال بونيه( شركة مقاولات تأسست عام1921). وهؤلاء المبعوثين جاؤوا إلى العراق لبحث إمكانية فحص طريق برية لعبور يهود أوروبا إلى فلسطين. فقط بعد الحرب العالمية الثانية عندما أُدرك عمق مأساة اليهود في أوروبا، واستخدم يهود الوطن العربي من أجل رجحان كفة الميزان الديموغرافي لصالح اليهود في فلسطين.على سبيل المثال، أنزو سيريني:  أفاد بأن يهود العراق ليس لديهم فكر صهيوني او حتى فطرة- حدس صهيوني. على الرغم من فخرهم بيهوديهتم، والهجرة إلى “إسرائيل” لم تكن خيارا جذابا بالنسبة ليهود العراق.

خيار البقاء في العراق تعذّر لسببين غير متعلقين:  نحو عام 1947-1948 بدأ وضع اليهود العراقيين لا يُطاق فالنشاط العدواني للحركة الصهيونية في العراق، واقصائها خارج القانون من قبل السلطات في العراق وإنشاء دولة “إسرائيل” قاد العرب إلى وضع اليهود مع الصهيونية في خانة واحدة.  وفي الوقت ذاته صعدت القومية في العراق وتم تشكيل موقف معاد لليهود في العراق.

وجد اليهود العراق انفسهم محاصرين بين مطرقة الصهيونية وسندان القومية العراقية.

 

في “إسرائيل” في ذلك الوقت، طرحت مسألة وضع اليهود العراقيين أمام الحكومة اقترح شطريت(وزير الشرطة) إمكانية التبادل السكاني بين يهود العراق والفلسطينيين ورفض بن جريت وشريت (وزير الخارجية) الاتفاق في جلسة الكنيست عام 1949. و في مارس 1950 أصدر البرلمان العراقي قانونا بشأن التنازل عن الجنسية يسمح لكل مواطن يرغب في مغادرة العراق التخلي عن جنسيته وفقدان حق العودة إلى العراق في المستقبل. اقتصر القانون على سنة واحدة ولم يتضمّن أي قيود على الملكية. في ذلك الوقت شهد التاريخ الصهيوني محاولات لاستخراج الممتلكات اليهودي. في سنة 1934 وبعد شهرين من تولي هتلر الحكم ذهب الدكتور آرثر روبين لبرلين للتفاوض على هجرة اليهود الألمان ونقل ممتلكاتهم إلى فلسطين من خلال شركات ثقة تأسست في ألمانيا وفلسطين، تم نقل حوالي 30 مليون دولار. بعد مرورشهر تقريبا على إقرار القانون، جرت محاولات لإنقاذ الممتلكات اليهودية في العراق.وفي أبريل عام  1950
افاد عزرا دنين، مستشار قسم الشرق الأوسط في الوزارة جهاز الاستخبارات الخارجية الذي سُئل من قبل مكتب رئيس الحكومة استبدال ملكية عرب بقوا في “إسرائيل”، ويريدون مغادرة “إسرائيل” لانهم لم ينسجموا مع الدولة اليهودية، مع الممتلكات اليهودية العراقية.


فشلت جميع محاولات الوساطة ولم يتم إحضار ممتلكات اليهود. في مارس 1951 ومع اتمام سنة لاتاحة خروج العراق. وكانت أوهام الهجرة التي خلقها نشطاء الصهيونية في المنطقة في أوجها. غادر حوالي 35،000  يهودي العراق أما الباقي أي ما يقارب 105،000 سجلوا للمغادرة تأخر هؤلاء بسبب سياسية المحاصصة التي تديرها دائرة الهجرة في الوكالة. انتظروا بالدور دون جنسية وفي 10 مارس قدّم نوري سعيد للبرلمان العراقي مقترح قانون ينصّ على تجميد ممتلكات اليهود العراقيين عديمي الجنسية. وفي الفترة ما بين سنّ القانون وإخراجه لتنفيذ أغلقت وزارة المالية العراقية البنوك لثلاثة أيام، أُغلقت المتاجر اليهودية بالشمع، وصودرت المركبات والممتلكات، أجريت عمليات تفتيش في المنازل، وبعد اصدار قانون تأميم الملكية تشاور موشيه شاريت حول كيفية الردّ على قرار البرلمان العراقي بتجميد ممتلكات اليهود العراقيين، تبنّى الاقتراح الذي قدّمه اجتماع مجلس الوزراء ولخّص بشكل رسمي وبشكل لا لبس فيه في معادلة واحدة حسابات اليهود في العراق واللاجئين عام 1948. هذا القرار بتعويض الممتلكات اليهودية العراقية مع الممتلكات الفلسطينية ويشير إلى ثروات يهود العراق ليس بوصفهها ثروات خاصة بل رأس مال وطني تابع إلى الحكومة الإسرائيلية. وهذه خوة اخرى في تأميم ممتلكات يهود العراق وهذه المرة من قبل الحكومة “الإسرائيلية”.  ورد في وثيقة وزارة الخارجية إلى لجنة المصالحة أن الحكومة “الإسرائيلية” قد التزمت بالمساهمة في حلّ مشكلة اللاجئين، ولكنها ” لن تكون قادرة على الوفاء بالتزامتها، بالاضافة للالتزامات لاستيعاب المهاجرين ستجد نفسها في حاجة لاعادة تأهيل 100،000 يهودي عراقي”.

من هذه التصريحات يمكن ان نفهم أن لولا تجميد الممتلكات الخاصّة ليهود العراق، لكانت “إسرائيل” قد حرصت على تعويض اللاجئين. اشتمل اعلان شاريت الذي جمع بين تأميم الممتلكات العراقية والممتلكات الفلسطينية على وعد بتعويض اليهود العراقيين عن ممتلكاتهم المؤممة. بعث نعيم سوفير مكتوبا إلى الحكومة “الإسرائيلية” مما اشعل الضوء الأحمر وبالتوازي مع ذلك أرسلت مذكرة داخلية إلى مدير عام مكتب رئيس الوزراء ورد فيها أنه اذا كان هناك سجل للمتلكات اليهودية العراقية، هدفه هو تعويض ممتلكات اليهود المجمدة في العراق من دفع التعويضات على ممتلكات العرب المتروكة. وادّعت المذكرة ان الحكومة “الإسرائيلية” لن تكون قادرة على تعويض اليهود العراقيين دون فتح البوابات لموجة المطالبات عشرات اللاجئين العرب ممن كانوا أصحاب ممتلكات في “إسرائيل”. على رغم من ان شاريت عارض فكرة التهجير وإلا أن تأميم الممتلكات اليهودية في العراق بالنسبة لشاريت فرصة ذهبية لوضع الحقوق الفلسطينية في خزانة مقفلة، وفي حين أن شاريت يعرف ان الممتلكات الفلسطينية المسلوبة كانت أكبر من مقدرات الممتلكات اليهودية في العراق، وهو مكّن مكتب وزارة الخارجية من “إصدار تقديرات مبالغ فيها.

وفورا بعد انتهاء حملة استيعاب 120 ألف مهاجر يهودي من العراق، أدارت الحكومة “الإسرائيلية ظهرها، واعترضت وزارة الخارجية على إنشاء مكتب حكومي خاص للتعامل مع مطالبات المهاجرين العراقيين بممتلكاتهم المجمدة. تصريح شاريت ان مسألة الممتلكات اليهودية ستؤخذ بعين الاعتبار بالمستقبل ولكنها خضعت لاختبار تجريبي مرتين : مرة في منتصف الخمسينات ومرة في إطار اتفاق “السلام مع مصر. تشكلت لجنة عامة لتسجيل مطالبات المهاجرين العراقيين بممتلكاتهم، ونقلت إلى وزارة الخارجية وتركت دون معالجة. تظهر الوثائق المؤرشفة ان هذا التقرير لم يقدّم على جدول أعمال من أجل رعاية الممتلكات اليهودية العراقية بل ليخدم حكومة “إسرائيل” امام المطالبات في تعويض الممتلكات العربية المؤممة من قبل الوكيل العام.

مبدأ معادلة التعويض من الحكومة “الإسرائيلية” واجه اختبارا تجريبيا آخر في اتفاق السلام مع مصر عندما رفع شلومو هيليل في سنة 1979 في الكنيست العلاقة بين اتفاق السلام وممتلكات اليهود اليهود ورفضها مناحيم بيغين. تم التوقيع على الاتفاقية مع مصر ولم تطرح المطالبة بعودة الممتلكات اليهودية ولم تتحمل الحكومة الإسرائيلية على عاتقها مسؤولية تعويض أي من الطرفين عن”معادلة التهجير”.

يشكل فتح الحساب المتبادل مفترقا تاريخيا مهما يعلمنا شيئا عن النظرية السياسية والأخلاقية السياسية التي وجّهت الحكومة “الإسرائيلية” في التعامل مع يهود العراق وفلسطينيي عام 1948. جمدت الحكومة العراقية ممتلكات اليهود العراقيين وأممتت “إسرائيل” تلك الممتلكات واعتبرتها ملكية دولة. وسمحت لنفسها تقديم مطالبات بالتعويض عن ممتلكات لم تكن ممتلكاتها. في النكبة عام 1948 سُرقت الممتلكات العربية من فلسطين وتشير التقديرات أن قيمة الممتلكات الفلسطينية التي يديرها الوصي عام ليس موحّدة وقدّرت المصادر العربية أنها تبلغ 2.5 مليار دولار وكشف اجتماع وزاري سري في نوفمبر عام 1951 أكثر من ذلك فمن أجل اعطاء فترة لمعادلة التعويض اضطرت إلى الغاء جنسية الفلسطينيين واعتبارهم جزءا من  الأمة العربية الموحدة والعراق والحكومات العربية الأخرى هي جزء منها. وهذا الموقف وضع “إسرائيل في واحدة من أعظم الأوهام في تاريخها القصير” لا يوجد شعب فلسطيني” فمفهوم معادلة التعويض يفهم بسخرية مصالح العرب واليهود كمصالح متضاربة. من يبحث عن جذور العداوة بين اليهود من الدول الاسلامية والعرب يجب على المرء ألا يغفل الطريقة التي تسببت قيها الحركة الصهيونية وتلتها بذلك الحكومة الإسرائيلية، في الصراع بين اليهود والعرب في الدول العربية، والعبرة في قضية يهود العراق.

 

المصدر: هآرتس
تاريخ النشر: 10.04.1998
الرابط: https://bit.ly/2FeSeQE

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

التخطي إلى شريط الأدوات