مقدمة المترجم | انتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القرار الذي صوت لصالحه 24 عضوًا في “اليونسكو”، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، والذي يتبنى مقترحًا قدمته فلسطين والأردن لربط الأماكن في المسجد الأقصى بأسمائها العربية، حيث تجاهل القرار علاقة اليهودية بحائط البراق عبر استخدام المصطلحات والمسمّيات المتداولة في التراث الإسلامي فقط، وتنصيص المصطلحات الإسرائيلية.

تناولت وسائل الإعلام العبرية القرار بطرق مختلفة، فجزء منها اعتبر القرار إنكاراً لرابط اليهود مع القدس، وآخر اعتبرها دعوة للتفاوض والعودة للوضع القائم قبل الانتفاضة الثانية، ومنهم من تناوله كخسارة سياسية لخطاب نتنياهو حول “القدس الموحدة والعاصمة الأبدية للشعب اليهودي”. هذا المقال المترجم، يتناول الرأي الأخير ويوضحه.

ترجمة العسّاس | إنّ التطلُّع لمدينة القدس كعاصمة أبدية للشعب اليهودي يعرب عن رغبة بتغيير مكانتها الجوهرية؛ من مدينة تعاقبت عليها الأمم وكانت مهداً للديانات السماوية والتعايش، إلى عاصمة أبدية للشعب اليهودي وحده دون غيره. فنتنياهو القائل “القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي” أراد إيصال رسالة إلى العالم مفادها أن أواصر الصلة بين اليهود والقدس ليست فقط تاريخية ودينية أو حتى تصويرًا لواقع جيوسياسي، إنما هي من مقتضيات حقّ اليهود الحصري في ملكية هذه البقعة.

إن تبني اليونسكو قرارًا ينفي العلاقة  بين “إسرائيل” وحائط البراق (حائط المَبكى) كما الحرم الشريف أو ما يسمونه جبل الهيكل يعني أحقيَّة المسلمين في المسجد الأقصى كمكانٍ مقدّس وإرثٍ حضاري وثقافي إسلامي، الأمر الذي اعتبره نتنياهو هزيمة إسرائيلية لا تقلّ دراماتيكية عن احتلال القدس من قبل “جيوش أجنبية”.

إن حرب الأيام الستة علامة فارقة في تاريخ الإسرائيليين، فبعد 2000 عام عادت القدس والبلدة القديمة إلى أيدي اليهود. في الوقت عينه، ونظرًا للمكانة الكبيرة للقدس في الديانات الإسلامية والمسيحية، كما أكد قرار “اليونيسكو”  الأخير، فإن هذه الحرب كانت حدثًا لا يقل أهميةً في التاريخ الإسلامي والمسيحي أيضًا. فالحديث عن القدس هو حديثٌ عن مركز حضاري ديني تاريخي للمسلمين والمسيحيين واليهود بحسب قرار المنظمة الأممية.

تتعامل “إسرائيل”مع ملف القدس كـ “صفقة عقارية” تاريخية كبرى، فعلى الرغم من إدراكها أنه لا يكفي الاستيلاء على العقارات والأراضي لتصبح المالك الشرعي لمدينة ما وأنه لابد من اعتراف دولي صريح بهذه الملكية، فإنها تتجاهل حقيقة أن القدس ليست في الأساس مجرد ملكيةً عقارية. إنّ الجرأة الإسرائيلية في المطالبة بالقدس كعاصمة أبدية لليهود وحدهم وادعاء أحقيتهم التاريخية فيها دون غيرهم لهي غطرسة منقطعة النظير تتجاهل تاريخ المدينة المقدسة وتوقعها في مأساة روحانية لا مبرر لها.

ألقى نتنياهو خطابا أكّد فيه أن نفي “اليونسكو” أي ارتباطٍ لليهود بما يسمونه جبل الهيكل (المسجد الأقصى) والحائط الغربيّ (حائط البراق) هو “امتهانٌ لمشاعر الشعب اليهودي وحقوقه في وقتٍ تكثر فيه التهديدات بإبادته”. واستعمل نتنياهو أسلوبه المعتاد في التخويف، حيث حذَّر العالم والمسيحين خاصّة، من سيطرة “الإسلام المتطرف” على القدس وانتهاكه كرامة الانسان، وتدميره للإرث الحضاري العالميّ .

بدلا من إلقاء اللوم على الآخرين وتحميلهم مسؤولية الصفعة التاريخية التي تلقاها اليهود، على نتنياهو ان يسأل نفسه عن السياسة العنصرية التي يحكم بها مدينة القدس، وكيف أن إقرار القدس كعاصمة أبدية لليهود أدى بالمسلمين لإنكار تاريخ القدس ما قبل الإسلام. فلعل هناك علاقة ما تربط سياسيةَ التمييز العنصري والإقصاء الممارسة ضد سكّان المدينة وأعمال التنقيب والحفر والبناء تحت حائط البراق وسلوان والحيّ الإسلاميّ، بقرار اليونسكو التاريخيّ الذي شكّل صفعة لليهود.

 

المصدر : هآرتس http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3094688

Leave a Reply

Your email address will not be published.