إن النهج الاجتماعي المركزي الذي مرّ فيه المجتمع الاسرائيلي يعتمد على استيعاب الصراع الإسرائيلي-العربي والإسرائيلي-الفلسطيني وفق “هيكلة واقع اجتماعي” يظهر كأنه واقع روتيني غير قابل للتغيير. وأحد الأمثلة هو عرض الصراع الإسرائيلي-العربي والصراع اليهودي-الفلسطيني كصراع “أبديّ”.

وعليه، حوّل تنميط الصراع والحرب المجتمع الاسرائيلي إلى مجتمع جاهز للتجنيد فوراً لتحقيق هدفين: الأول، التجنيد ضمن صفوف الاحتياط لتحقيق حسم عسكري سريع بجيش متوسط الحجم. ثانياً، تنظيم ناجع للجبهة بطريقة تضمن استمرار حسن الأداء بالرغم من عودة عدد كبير من الجنود إلى الروتين الحياتي مع انتهاء فترة التجنيد الإجباري.

البنية السياسية

يميل المجال السياسي لفقدان استقلاليته مقابل اعتبارات “الأمن القومي”. عمليًا، تعتبر العسكرة المدنية هي الوسيلة الأساسية لتحقيق الهيمنة الكاملة على المجتمع والدولة. ويمكن لهذه الأفكار أن تتحول إلى أيديولوجيا كاملة تحدد التصرفات الجماعية، وتنعكس على الترتيبات المؤسساتية والسلوكية التي تحدد بنية الجماعة وحدودها.

ومن الشروط الضرورية للعسكرة المدنية المهيمنة هو التوجه إلى استخدام القوة كحل وحيد للمشاكل الخارجية، لكنه ليس شرطاً كافياً. فالعامل الحاسم هو تحوّل العقلية العسكرية إلى مبدأ أيديولوجي وسياسي ومؤسساتي إضافة لاعتبارات استراتيجية ذات أولوية وضرورة وجودية. وعليه، أعطى هذا التوجه مكانة للأمن تعلو على باقي الأهداف، وعزز فكرة انعدام بدائل التوجه العسكري.

البنية الاقتصادية

تتضح عسكرة المجتمع الإسرائيلي بالنظر إلى البنية الاقتصادية. فمنذ حرب 1967 يمر الاقتصاد الإسرائيلي بمراحل عسكرة سريعة، فقد اتبعت “إسرائيل” توجهاً مستقلاً في مجال “الإنتاج الأمني” يقضي بعدم الاعتماد على جهات خارجية بمجال الصناعات العسكرية. وعليه، انتجت “إسرائيل” وطورت نظم السلاح، ابتداءً البنادق والرشاشات وصولًا إلى الدبابات والطائرات والصواريخ والطائرات من دون طيار والأقمار الصناعية والسفن الحربية. واعتمدت على تسويق منتجاتها خارج البلاد.

البنية الدستورية والقضائية

مع قيام “إسرائيل” عام 1948، أعلنت حالة طوارئ مستمرة، والتي شكّلت الأساس الدستوري لتشريع الطوارئ الإداري الذي يُمكّن الدولة من إلغاء أو تجميد الحقوق المدنية وحقوق الإنسان. كما أن جزءاً من قوانين التي سرت خلال الاستعمار البريطاني والامبراطورية العثمانية ظلت سارية المفعول. وعليه، تنظر العقيدة القضائية إلى “إسرائيل” على أنها موجودة دائمًا في حالة طوارئ وتهديد. وعليه، وجود الأساس التشريعي لسن قوانين تلغي الحقوق يدل على الخلط بين المجال السياسي والأمني، ويفتح إمكانية التلاعب بمصطلح “الأمن” في مجال التشريع.

وظيفة العقيدة العسكرية

العقيدة العسكرية-الأمنية هي وسيلة لمأسسة العسكرة المدنية في “إسرائيل”. فحقيقة أن “كل الشعب” يؤدي الخدمة العسكرية تعتبر جزءاً من العسكرة المدنية، إذ تكونت هذه العقيدة كرد فعل على الصراع الدائم. وعلى عكس ما تدعي، فالعقيدة العسكرية الإسرائيلية مشتقة من أسس وأفكار ايديولوجية ساهمت بصياغة تصرفات الأفراد وعلاقتهم بالجماعة، وبالتالي أصبحت العقيدة العسكرية جزءاً من الديانة المدنية للمجتمع وأسست ثقافته السياسية.

افتراضات وأسس

بالرغم من أن العقيدة العسكرية هي نتاج احتياجات وعوامل جغرافية-سياسية وعسكرية، لكن تحويلها لأنظمة مؤسساتية يحول المجتمع الاسرائيلي لمجتمع مجند على الصعيد المؤسساتي والذهني والقيمي. وعليه، يمكن استخراج أسس من الخطاب الأمني الاسرائيلي التي ارتكزت عليها عقيدة “الأمن القومي”:

  1. “إسرائيل” هي مجتمع من المهاجرين-المستوطنين، تعيش حالة صراع مستمر على وجودها الشرعي، لذلك أحد أهداف “الأمن القومي” هو منع محرقة جديدة.
  2. الصراع السياسي-القومي بين اليهود والعرب عامة والفلسطينيين خاصة يمكن معالجته، لكن لا يمكن حله بالكامل.
  3. العلاقات في الصراع ليست متماثلة، فانتصار عسكري إسرائيلي هو دورة إضافية في الصراع طويل الأمد بين اليهود والعرب، بينما الهزيمة تعني تدميراً سياسياً للدولة اليهودية.

 

المصدر:

  • الكاتب: باروخ كيميرلينغ

  • الرابط : http://theory-and-criticism.vanleer.org.il//NetisUtils/srvrutil_getPDF.aspx/1C5res/%2F%2F4-8.pdf

Leave a Reply

Your email address will not be published.