مقدمة العساس | قصة هدم حيّ المغاربة، المحاذي للمسجد الأقصى والمقابل لحائط البراق، هي مثال لتغييب التاريخ قصة تهجير كبيرة، دأب الاحتلال على تحميل عبئها لمنظمات إسرائيلية محلية للتنصل من المسؤولية الدولية، ولتبدو وكأنها “عمل فردي” لا يمكن مساءلة الاحتلال عنه.

ترجمة العساس | يوم السّبت، العاشر من حزيران/يونيو عام 1967، أي في اليوم الخامس من حرب السّت أيّام (حرب 67)، دخل المقاول ״يوسف شفارتس״ لإحدى ملاجئ حارة ״كريات هايوفال״ الواقعة غربيّ القدس، الّتي كان يسكنها مع ابنته وأحفاده.  “كان هذا عاديًا جدًا أن يأتي أبي لرؤيتنا ويحضر لنا الخبز والحليب”، قالت ابنته، زهافا فوكس، “لكن هذه المرّة كان التوتر باديًا على وجهه إذ احتضنني والأطفال وكان يبدو مختلفا”. شفارتس، الّذي كان يرتدي زيّ الشّرطة المدنيّة لرجالات الهاجاناة (عصابة صهيونية مسلحة) خرج دون أن يفصح عن وجهته. “صعدت إلى الشّقّة كي أتّصل بأمّي، وأخبرتني بأنّه لا يريد الإفصاح عن وجهته” قالت فوكس.

“في اليوم التّالي عاد باكيًا. في حينه كان أخي طيّاراً، وكنت قلقة بشأنه، لكنه حدّثنا بأنّه كان في البلدة القديمة وقد لامس حائط المبكي (حائط البراق). وأضاف بأنّهم في هذه الليلة هدّموا كلّ حارة المغاربة. لقد كان رجلاً علمانياً بحتاً، لكنّه قال، عندما كانوا يعملون كان يخالطهم شعور خاصّ سريّ، وكأنّهم في رسالة بعثيّة (مهمّة دعويّة).

كان شفارتس واحداً من الخمسة عشر مقاولاً من منظمة المقاولين المقدسيّين الّذي اُستدعوا من قبل رئيس بلدية القدس، تيدي كولك، في تلك الليلة لحائط المبكى (البراق)، والّذي كان قد اُحتلّ للتوّ.

كانت المهمّة هدم بيوت حارة المغاربة الملاصقة للحائط، وإنشاء ساحة المبكى المعروفة.

يقول شاشون ليفي، أحد المقاولين الّذين ما زالوا على قيد الحياة، مستحضرًا التأثّر الّذي حلّ بهم “كنت فرحاً حدّ السّماء، كان ذلك قمّة في المتعة”.

كوليك (رئيس بلدية الاحتلال آنذاك) هو من جنّدهم لهذه المهمّة، لكن، لا نعرف حتى اليوم من اتّخذ قرار الهدم. فمن الواضح أنّ كلّ من: كوليك، شالما لاهاط، الحاكم العسكريّ في حينه، وعوزي نركيس، قائد منطقة المركز، كانوا متورطين وشركاء بالهدم، كما أن من البديهيّ أنّهم نفّذوا الهدم قصدًا بلا طلبات رسمية ودون الحصول على أي مصادقات. وعليه لم يبقَ وثائق مكتوبة توثق عملية اتخاذ قرار الهدم.

اعتبرت منظّمة المقاولين من أكثر القوى العاملة المتاحة، إلّا أنّ هذا ليس السبب الوحيد لتوجّه كوليك لهم، بل التخوّف من احتجاج دوليّ عارم أوجب ضرورة البحث عن جهة مدنيّة غير حكوميّة لتحمل تنفيذ هذه المهمّة على عاتقها. ممّا يبعد تهمة تورط جهات حكوميّة في هذه العمليّة.

وضّح كوليك بأنّ ضرورة إخلاء السّاحة نبعت من اقتراب “عيد الأسابيع” الّذي كان من المتوقّع أن يتدفّق بحلوله  آلاف الإسرائيليّين إلى المكان. وأضاف بأنّ، إبقاء المباني القديمة على حالها من شأنه أن يسبّب خطراً.

أمّا بالنّسبة للمقاولين، الّذين لم يُجنّدوا للقتال بسبب سنّهم، كانت هذه المهمّة أكثر من كونها مشروعًا هندسيًّأ عاديًّا، فقد طُبعت هذه الليلة في أذهانهم على أنّها حدث تاريخيّ. حتّى أنّهم أسّسوا “أخوة المبكى” بعد الحرب، على أنّهم هم “الفرسان الّذين طهّروا ساحة المبكى باسم الشّعب الإسرائيليّ”، وفقًا لما كتبوه.

“كان الهدف الأساسي هدم المرحاض المرتكز على حائط المبكى الّذي أزعج بن غوريون”

بدأ العمل قرابة السّاعة الحادية عشر ليلًا، حيث كان الهدف الأوّل هدم أحد المراحيض الملاصقة لحائط المبكى. وذلك بعد ما زار المكان رئيس الحكومة في حينه؛ بن غوريون، وأثناء زيارته نهر\عاتب يعقوب يناي، مدير سلطة الحدائق الوطنيّة، بسبب وجود المرحاض في المكان. “أنت تأتي لمكان كهذا وترى الحائط نتنًا، فوجئنا بذلك”، قال ششون ليفي. “هذا الأمر أحزنني مع كل الفرحة الّتي كانت. في البداية عملنا بواسطة  المعاول والمطارق، وبعد ذلك، أتى زلمان (أحد كبار المقاولين في القدس) بالتراكتور. عملت جرّافتين على هدم البيوت، والّتي واجهت صعوبات عندما انهارت فجأة مبان تحت الأرض، لكنّ هذه الانهيارات وفّرت للمقاولين حيّزًا لملأ نفايات المكان وتسوية السّطح. هُدم 135 بيتًا، وفي النّهاية فاق الهدم ما كان مخطّطاً له”.

لا يذكر ليفي سكّان البيوت، كما لا يذكر أنّه قد أُخلي أحدهم منها. أمّا فوكس، فتقول إنّها سألت أبيها عنهم، “حدّثنا بأنّهم ذهبوا مع مكبّر صوت وطلبوا من النّاس أن يتجمّعوا وقد خرجوا من طريق باب صهيون. لأنّ من هذا الباب بالتّحديد أُخرجوا لاجئي حارة اليهود”. لا تذكر شيلوني، ابنة المقاول يوسف تسافان الّتي شهدت الحدث في نفس الليلة، سكّان الحارة، “لم أرَ أنّ الحي مأهول بالسّكان ولا حتّى بالحياة” وأضافت “لكنّي بعد ذلك سمعت بأنّهم هجّروهم من هناك. لكنّ، في ساعة الهدم،  شعرت بأنّهم يهدمون أحواشًا فارغة ومكدّسة، لم أر أيّة حركة للناس”.

في المقابل، يصف بنزيمان، أحد المقاولين، أنّ في إحدى الحالات رفض السكّان الخروج من البيت، وأُرغموا على ذلك فقط عندما بدأت الجرّافة هدم الحائط. كما يذكر بأنّه في إحدى البيوت عُثر على الحاجة رسميّة (المعلومة حول اسم السيدة مذكور هنا) ميتة في سريرها. نرى من خلال الصّور بأنّ الجرافة هدمت أحد البيوت بأثاثه، نرى في الصّورة الأستار ومزهريّة تحوي زهورًا.

“أخوة المبكى”
تأسّس تنظيم “أخوة المبكى” في نفس ليلة تنفيذ عمليّة هدم حارة المغاربة واستمرّ عملهم وتواصلهم حتّى مات غالبية أعضائه في سنوات التّسعين.

كُلّف هذا التّنظيم بمهمّات إضافيّة عديدة وكانت لهم نشاطات متعدّدة، وتقديرًا لجهودهم دُعوا عام 1987 لحفل بالكنيست أٌقيم على شرفهم، تقلّدوا فيها أوسمة “درع المبكى”.

“حائط المبكى رمز دينيّ والسّاحة رمز قوميّ”

ترى إحدى منظّمات معرض “أخوة المبكى” الّذي أٌقيم مؤخّرًا بمرور خمسين عاماً على حرب 1967، بأنّ قصّة “أخوة المبكى” يجب أن تٌقرأ وتحلّل بسياق عامّ إذ تقول: “لطالما أراد البارون روتشيلد شراء بيوت المغاربة وبناء السّاحة، من ثمّ أرادت الحركة الصهيونيّة فعل الأمر ذاته، حائط المبكى مكان دينيّ، أمّا السّاحة فهي رمز قوميّ”.  من وجهة نظرها، “هذا هو المكان الّذي يمكّن التجمهر وحريّة العبادة، السّاحة هي مكان الأعلام والاحتفالات، الرّمز الصّهيوني هو ليس حائط المبكى، بل السّاحة الّتي تقابله. بالتّالي، تحقيق الحلم الّذي دام مائة عام متمثّل في وصولهم  للمكان في العاشر من حزيران”.

تقول زهافا فوكس ، ابنة شفارتس، أحد أعضاء “أخوة المبكى”، في فيلم أُعدّ احتفاء بذكرى مرور خمسين عاماً على حرب 1967: “لطالما كان أبي فخوراً بكلّ بيت بناه، لكن وفجأة قد بات فخورًا بالبيوت الّتي هدمها، فقد شعر بأنّه يقدّم رسالة كبيرة للشعب الإسرائيليّ”.

كل من كان يعرف حارة المغاربة قبل الهدم كان قد صدم بهول التّغيير الّذي لحق بها بين ليلة وضحاها، عن هذا يقول عجوز يمنيّ مُقتبساً في أحد الصّحف الصهوينيّة في حينه “قرأت في الصّحف بأنّهم هدموا البيوت وسوّوا الأرض المقابلة لحائط المبكى، لكن لم أكن أتخيّل بأنّهم بنوا ملعبًا”.

المصدر: هآرتس: http://www.haaretz.co.il/news/50years/.premium-1.4138546

Leave a Reply

Your email address will not be published.