إنّ العلاقة البصريّة المباشرة بين حرم جبل المشارف والبلدة القديمة، تطرح أمامنا أسئلة عدّة تتعلق باعتبارات مؤسسي الجامعة العبرية حول اختيار موقعها في عام 1914، وحول موقف المخططين من العلاقة بين البلدة القديمة والحرم حين تم “توحيد المدينة” في عام 1967.

مباشرًة مع احتلال شرقي القدس عام 1967، كانت الدعوة لبناء حرم جبل المشارف من جديد. من أجل  العودة إلى جبل المشارف لاعتبارات وظيفيّة وأيضًا سياسيّة. من الناحية السياسيّة، خدمت العودة الى جبل المشارف الرغبة ببناء تواصل جغرافيّ يهوديّ بين غربيّ وشرقيّ القدس، فكما قال دافيد بن غوريون في هذا السياق “يجب أن تكون قدس واحدة فقط”.

مثل خطة البناء الاولى (حين كان الحرم في منطقة “جفعات رام”)، كان هدف هذه الخطّة هو خلق علاقة بصريّة بين الجامعة والبلدة القديمة، لكن الاضافة هنا هي خلق هذه العلاقة عن طريق محاكاة النسيج العمراني للبلدة القديمة بطريقة تخلق جسم له وجود معماري شامل، الذي يكون مشابه للبلدة القديمة المبنيّة كقطعة واحدة. تم تحقيق هذا الهدف عن طريق خلق صدى حديث لجدران البلدة القديمة. لإتمام صورة المدينة التقليديّة، تم بناء برج الماء، الذي يشكل بديل حديث لبرج الكاتدرائية او المئذنة، وفي السياق الاسرائيلي تحوّل إلى رمز لفترة الاستيطان. التركيز على “وجود معماري شامل” تُرجم هندسيًا بواسطة ربط جميع المباني بواسطة معبر متواصل، الذي يمكّنك من التنقل دون الحاجة إلى الخروج من المبنى. نتيجة لذلك، يصبح الحرم مفصولًا عن بيئته ومغلقًا أمامها، وبدلًا من خلق تواصل جغرافيّ، أصبح منفصلًا عن شرقيّ القدس التي يقع فيها، وعن المدينة ككل.

كان الطموح لبناء محاكاة للنسيج العمراني التقليدي بواسطة توحيد بضعة مباني، جزء من توجه هندسي عالمي وصلت ذروته في النصف الثاني من سنوات الستينات، وتمّت تسميته على يد المؤرخ راينر بنهم ب”mega-structure”. إن كان الحرم مبني لخلق وجود حديث/علماني مصممٌ بشكل يخلق صدى للبلدة القديمة، فكيف يمكن تفسير الإصرار على استخدام رموز هندسيّة تقليديّة؟ هناك تفسير واحد، وهو من أجل خلق فكرة “القدس السماويّة”. نبعت العلاقة المجازية بين “القدس السماوية” وmega-structure من إمكانيّة خلق مدينة مثاليّة حديثة، والتي يمكنها أن تستغل تكنولوجيا متطورة من أجل إحياء أنماط تواصل عفويّة للمدينة التقليديّة في مجتمع ما بعد صناعي. يُعتبر الطلاب الأفراد المثاليين للميجا-ستاركتور: فهم شباب دون التزامات ولن تتغير احتياجاتهم حتى قدوم ساعة رحيلهم.

في أعقاب الحرب عام 1967، وبعد مرور أسبوعين على “تحرير القدس”، منحت الجامعة العبرية لقب “دكتور” لرئيس الأركان في تلك الفترة، “اسحاق رابين”. في مهرجان نُظم في ذكرى العودة للحرم، والذي أقيم في محيط الجامعة، منح الكولونيل “ميناحيم شرفمان” -قائد جبل المشارف- لقب “علامة حرب الستة أيّام” لرئيس الجامعة آنذاك، “الياهو ايلات”. بالإضافة إلى ذلك، أضيفت وظيفة جديدة في الجامعة وهي “المدير العام للجامعة”- والتي حصل عليها “يوسف هرباز”، -العقيد السابق في الجيش-.

سبق هذه العلاقة بين الجامعة والجيش 19 عامًا من شلل للنشاط الجامعيّ لجبل المشارف، منذ أن تم الإعلان عنها كجيب إسرائيلي تحت السلطة الأردنية في أعقاب اتفاقيّات وقف إطلاق النّار بعد 1948. في هذه الاتفاقيات، تم الإعلان عن هذه المنطقة على أنها منزوعة السلاح، وسمح الوصول اليها ل86 شرطي و35 مواطن مرّة كل أسبوعين، من أجل الحفاظ على المكان. بالرغم من ذلك، أقيمت أعمال عسكريّة في المنطقة. أصبح هذا الأمر حقيقة تاريخية مع بناء نصب تذكاري للمحاربين في جبل المشارف عام 2006.

خصّصت المنظمة الصهيونية وظيفة مركزية للجامعة العبرية وهي تأسيس هيمنة يهودية-علمانية في المدينة. الهدف من وراء بناء الجامعة خارج المدينة مع إضافة حدائق كبيرة هو خلق قدس جديدة وحديثة مقابل تلك التي اعتبرت مدينة محافظة دينيًا. ولذلك، في عملية البحث عن أراضي كان أحد الشروط أن تكون المساحة كبيرة بما فيه الكفاية وتقع خارج المدينة القائمة. تمت إضافة شرط ثالث: أن يكون الموقع مرتفعًا، ومحبذًا لو كان “الأكثر أرتفاعًا، وأن يطلّ على بيئته، يشمل القدس العتيقة والجديدة، حيث يمكن النظر من خلاله على الموقع المقدّس”. من الواضح أن البلدة القديمة كانت ذات وزن ثقيل في بناء “القدس الجديدة” الحديثة والعلمانية لكن المرتبطة بمؤسسة تشبه بيت المقدس الثالث.

يمٌكّن الحرم الجامعي من السعي نحو العلم داخل برج عاجي الذي يقع بمحاذاة المدينة، بجانب الحياة “الحقيقية”، وفي هذا البرج يوجد الامتياز للتثقيف لكن بمعزل عن الواقع الذي يحيطه. مثل: المطار أو المجمّع التجاري. الحرم هو كيان فيه يمكن تحقيق رغبات لا يمكن تحقيقها خارجه. مجرد تحديد الرغبات في مكان محدّد يمكّن من مراقبتها وضبطها بوسائل مراقبة تتبع لشركات المراقبة، حين يكون الحصول على العلم وإنتاجه منفصلان عن الواقع اليومي والتاريخي للمدينة والدولة. من هنا، يشكل الحرم جهاز مراقبة بسبب خلقه لفضاء هجين متطوّر، والذي يمنح –ظاهريًا- حرية التفكير، لكنه منظم ومراقب بواسطة المنطق الاستهلاكي العالمي. إنّ الحرم، بتخطيطه ك mega-structure، مبني كرمز لحرية الأفراد في المجتمع الما بعد صناعي، لكنّه ملاحق بهندسة مساحات إقصاء. الإصرار على تكوين الحرم كــــ mega-structure يرمز إلى الرغبة في اخضاع المؤسسة لاحتياجات رمزية وطنية لها تعبير سياسيّ واضح في السياق الاسرائيليّ وتفضيلها على الاحتياجات المدنية للمدينة والدولة. ينعكس طموح الجامعة للاستقلالية والحرية الأكاديمية بشكل من خلال مبناها الذي يحمي من الواقع السياسيّ، وبالتالي يكشف عن ضعفها السياسي والاكاديمي.

المصدر: معهد فان لير البحثي

http://theory-and-criticism.vanleer.org.il//NetisUtils/srvrutil_getPDF.aspx/4zjY7V/%2F%2F38%2C39-2.pdf

عن المترجم/ة

هيئة التحرير
Google+

طالبة ماجستير علم اجتماع وعلم الإنسان في الجامعة العبرية بالقدس.

أخبار ذات صلة

Leave a Reply

Your email address will not be published.