لطالما تُنكر المؤسسات الطبية الإسرائيلية انتشار العنصرية في أرجائها، أو تصورها -إن وُجدت- على أنها حالات فردية نادرة الحدوث. في محاولة رصد تاريخي للعنصرية في المؤسسات الطبية في “إسرائيل”، نجد بأنها ليست مجرد حالات عابرة، بل أحداثاً متكررة يمكن تجسيدها بأهم أربع وقائع تاريخية.

أطفال اليمن، البلقان والشرق:

خلال السنوات الأولى لقيام الدولة، وقعت العديد من الحوادث المريبة والتي كانت الفرق الطبية أحد أطرافها؛ وتعدّ قصة أطفال اليمن أبرزها.

بين عامي 1948-1954، قدم نحو 50,000 يمنيّ إلى “إسرائيل”. وقد أقرت العديد من الشهادات في تلك السنوات، بعمليات خطف الأطفال من المستشفيات، إذ إنّ طفلًا واحدًا من بين كل ثمانية أطفال قد أُخِذ من والديّه بعد ادعاء موته، وذلك لغرض التبني.

وتشير شهادات عائلات الأطفال المخطوفين العديدة إلى منهجية محددة في عمليات الخطف، إذ طُلب من الوالدين عدم البقاء مع أطفالهم داخل المستشفى حفاظًا على صحتهم، وفي حالات تمّ إبلاغ الوالدين بأنّ أطفالهم مرضى وبحاجة للعلاج، حينها، كان يسمح لبعض الأهالي بزيارة أطفالهم وللأمهات بإرضاعهم؛ في حين أُبلغ آخرون بموت أطفالهم لتدهور حالتهم الصحيّة.

في بعض الحالات، أُتيح للأهالي رؤية جثة الرضيع أو دفنه. في المقابل، أقرّت العديد من الممرضات والعاملات الاجتماعيات بأنهنّ نقلن، بأنفسهن، أطفالًا أصحّاء في سيارة الإسعاف، وذلك خلال إحدى جلسات التحقيق الحكومية، والتي بحثت في وقائع حدثت في مخيم “شيمر” للوافدين إلى البلاد، والذي ارتبط اسمه بالعديد من الوقائع المشابهة.

وتمّ إعادة تداول القصة الفظيعة مجددًا عندما تلقى أهالي الأطفال استدعاء عسكريًا لتجنيد أبنائهم الذين ادّعت الدولة وفاتهم من قبل؛ لكنّ اللجان المختلفة، التي تشكلت بعد ضغط جماهيري، عملت جاهدة على إخماد المسألة ذات الدلالات المتعددة. في أغلب تلك الحالات، شكل الصدى الإعلامي وسيلة ضغط لكشف التفاصيل، وتحميل الدولة المسؤولية الكاملة.

كان من المفترض أن تلقى القضية اهتمامًا جيّدًا من قبل المختصين، خاصّة مع وجود شهود من الفرق الطبية المقِرّة بما حصل، لكنّ الصمت كان سيد الموقف، مما جعل الموضوع غير جدير بالمتابعة والمعالجة من قبل الشهود والدولة؛ الدولة التي صمتت وأسكتت وطمست كل الشهادات والدلائل.

ديپو پروبرا:

تكشف قصة “ديپو پروبرا” (نوع وسيلة لمنع الحمل) استمرار وجود العنصرية في العلاج. وتتشابه هذه القصة مع قصة أطفال اليمن، لكونها تعكس النظرة ذاتها تجاه الأهالي، أي نظرة عدم الكفاءة أو المسؤولية، التي لا نعرف كيف تمّ تحديدها من قِبَل واضعيها ومنفذيها.

في قصة أطفال اليمن، وتحت اعتبارات فاضحة، أُخذ الأطفال من عائلاتهم بحجة نقلهم لحياة أفضل. في حين كانت الاعتبارات في هذه القصة، والمتمثلة بالحدّ من الإنجاب بحجة عدم كفاءة الأهل في تربية أطفالهم، أكثر فظاعة.

طُرحت هذه القصة لأول مرة عام 2008، في مقال بصحيفة “يديعوت أحرونوت”، والذي تناول مسألة الاستعمال المُبالغ فيه لوسائل منع الحمل من نوع “ديپو پروبرا” لدى النساء الإثيوبيات، إذ إن انخفاضًا كبيرًا في معدل الولادة لدى الإثيوبيات طرأ فور وصولهن لـ “إسرائيل”.

فمن بين 57 عائلة إثيوبية سكنت منطقة “بردس حنا”، أنجبت امرأة واحدة فقط خلال ثلاث سنوات. بعد التحقيق في القضية، اتّضح أنّ هناك استعمالاً مبالغاً فيه لمانع الحمل “ديپو پروبرا”، في ظل عدم توفر خيارات متاحة أخرى أمام النساء الإثيوبيات.

وبحسب أطباء مختصين، فإنّه لا يُنصح باستخدام مانع الحمل “ديپو پروبرا” إلا في حالات استثنائية، كالمتخلفات عقليًا أو ممن لا يمكن الاعتماد عليهنّ في أخذ حبوب منع الحمل بانتظام.

بالرغم من ذلك، يُصرّ وزير الصحة على أنّ استعمال الحقن كان خيارًا اعتادت عليه الإثيوبيات، نافيًا وجود أيّ سياسة حكومية تجاههنّ. على عكس تقرير أعدته جمعية “المرأة من أجل المرأة”، والذي جاء فيه استخدام النساء الإثيوبيات بشكل عام الحبوب لمنع الحمل، أورد التقرير معطيات تؤكد زيادة استعمال “ديپو پروبرا”  في السنوات الأخيرة، وأنّ 57% من مستخدماته من أصل أفريقي.

من هذه المعطيات، نفهم بأنّ النساء لم تــُخيّر حقًا في استعمال هذا النوع من الحقن. وبحسب طبيب إثيوبي، فإنّ النساء لم يتلقين تفاصيل أو شرحًا مناسبًا للوسائل كافة.

فصل في قسم النساء والولادة:

قصة أخرى تكشف كم تشكل مسألة التكاثر المتعلقة أساسًا بالمعركة الديموغرافية التي تخوضها مؤسسات الدولة، تحديًا للفرق الطبية. إذ تؤكد التقارير الصحفية بأنّ هناك استجابة من قبل المستشفيات في “إسرائيل” لطلب الأمهات الوالدات بفصلهن على أساس إثني وقومي؛ ولتلك الاستجابة دواعٍ عنصرية واقتصادية ربحية، إذ نجد من ضمن الخدمات الّتي تطرحها المستشفيات خيار “محيط  الولادة”.

كشفت صحيفة هآرتس عام 2006 أنّ الفصل قائم في مستشفى “زيف” والجليل الغربي، وكذلك أشارت صحيفة معاريف عام 2012 إلى وجود هذا الفصل في مستشفى “مئير” و”سوروكا” أيضاً. في وقت لاحق، عرضت القناة الإسرائيلية الثانية تقريرًا يشير إلى الفصل القائم في مستشفيات “عهيمق”، “هلل يافي” و “بوريا”.

وقد تولت منظمة “أطباء لأجل الإنسان” البحث بعمق في القضية، ووجدت أنّ الظاهرة واسعة الانتشار، وأن المستشفيات تتعامل مع المسألة بشكل طبيعي وشرعي ومنطقي. لهذا، توجهت لجنة الأخلاقيات في رابطة “أطباء لأجل الإنسان” برسالة لكافّة مستشفيات البلاد، وذلك لحثّهم على التوقف عن سياسة الفصل في أقسام النساء والولادة، ثمّ طالبت اللجنة وزارة الصحة بموقف حازم تجاه أخلاقيات مهنة الطب، وعدم اللجوء للفصل إلّا لاعتبارات مهنية، لا إثنية قومية، أو حتى ربحية.

نساءٌ أخريات لم يتفهمن لماذا لم تؤخذ رغبتهن بالفصل بعين الاعتبار، إذ لا تعتبرن الفصل أمرًا عنصريًا، إنما هو فقط لأسباب ثقافية؛ لكن، من المؤكد في مهنة الطبّ أنّ سياسة الفصل في العلاج لا تجوز ولا تتماشى مع أخلاقياتها.

التبرع بالدم:

كشفت لأول مرّة فضيحة رمي تبرعات دمّ الإثيوبيين في 25\1\1996. وتضمنت الواقعة تبريرًا طبيًا ومهنيًا؛ فحين كُشفت وأحدثت ضجة عارمة، كان التبرير المهني وسيلة جيدة لدحض الادعاءات، والذي استند إلى رواية احتمالية احتواء الدم على فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، والذي يكثر وجوده لدى المنحدرين من أفريقيا.
وبذلك، عندما اتخذ النقاش طابع الخطورة على صحة الجمهور، كان من الصعب إجراء نقاش حقيقي عن تعامل الفرق الطبية مع الإثيوبيين.

لاحقًا، طرح السؤال الآتي: “لِمَ يستمر قبول تبرعات دم من الإثيوبيين طالما يتم التخلص من دمائهم في الخفاء؟”. بعد الضغط الإعلامي والمظاهرات العارمة، وافقت الدولة على فتح تحقيق في القضية.
“نحن نحارب ونموت في الجيش، نرتاد الجامعات، لكن على ما يبدو هذا لا يكفي. لا يُعقل أن يتقدم شخص ليتبرع بدمه في سبيل إنقاذ حياة الآخرين، ثمّ يُرمى دمه في القمامة”، قال أحد الإثيوبيين المستائين. لاحقًا، شدّدت لجنة التحقيق على الدوافع المهنية الصحية للقضية، مع إهمالها مسألة إخفاء المعلومات عن المتبرعين، وما تحمله القضية من دلالات عنصرية.

 

المصدر : http://cdn2.phr.org.il/wp-content/uploads/2016/04/Racism_Heb_Digital.pdf

Leave a Reply

Your email address will not be published.