مقدمة العساس | يزخر أرشيف دولة الاحتلال بالكثير من الملفات والتسجيلات التي وثقت أحداث حرب عام 1948، مأساة النكبة وتهجير السكان الفلسطينيين من أراضيهم. إلا أن الباحث في طيات هذا الأرشيف قد ينتهي به المطاف باستنتاجات مغايرة للواقع عملت الحكومات الإسرائيلية على اختلاقها وكرست لتحقيق ذلك جهد العديد من الباحثين. الوثائق المتاحة للاطلاع من محفوظات الأرشيف لا تروي كل الحقيقة، فالكثير غيرها مايزال مخفيًا رغم انتهاء فترة صلاحية قانون حظر النشر.

ترجمة العساس | النكبة بين السطور

طلب بن غوريون من معهد “شيلواح” في عام 1961 جمع معلومات للحكومة عن هرب العرب في عام 1948. كانت حقيقة معهد “شيلواح” غريبة في السنوات 50 – 60، فقد أنشأه رؤوفن شيلواح بعد أن ترك جهاز الموساد وانتقل إلى وزارة الخارجية و سمي المعهد باسمه بعد مدة من الزمن. هدف المعهد المعلن هو بحث القضايا اليومية بعين أكاديمية بالتعاون بين الجامعة العبرية في القدس وجهاز الأمن ووزارة الخارجية ووالشركة الشرقية “الإسرائيلية” (والتي ضمت باحثي الشرق الأوسط) وعلى رأس المعهد عُيِّن يتسحاق أورن الرائد في الاستخبارات العسكرية.

أثبت البروفيسور “جييل” آيل” من جامعة كولومبيا في بحث نشره أن معهد “شيلواح” قد عمل جنبًا إلى جنب مع جيش الإحتلال والاستخبارات العسكرية، إذ وفر المركز للجيش معلومات دقيقة. الأبحاث التي كتبت في المعهد كانت سرية ولم تنشر، الباحثون الذين عملوا في عقد الخمسينات قالوا إن عملهم كان سريًا. في العام 65 انتقل مقر المركز إلى جامعة تل أبيب واستمرت علاقته السرية مع شُعَب الإستخبارات بعد أن كانت قنوات الاتصال بين الجانبين شبه مقطوعة منذ قرابة العقدين من الزمن. في العام 83 حصل معهد “شيلواح” على إسمه الجديد “معهد دايان”.

عندما وصل طلب بن غوريون إلى المركز، وصل معه أمر نادر بفتح الأرشيفات المغلقة منذ سنين والبحث فيها، فتمت معاينة وثائق ومواد حصل عليها جهاز المخابرات. ذهب الباحثون إلى مقرات المخابرات وعاينوا الوثائق هناك وبعدها قاموا بإحراقها. “ضمت الوثائق محاضرًا لبعض جلسات الحكومة في تلك الفترة، وقد منعنا من معاينتها وتم حرقها. في الغالب، هذه الجلسات ناقشت تهجير الفلسطينيين”.

بحث طاهر

توجد رسالة في أرشيف الدولة كتبها “جاباي” بعدما أنهى بحثه، الاستنتاجات التي حصل عليها مختلفة عن تلك التي نشرها في رسالة الدكتوراة الخاصة به عن نفس الموضوع. في الرسالة التي كتبها في 26/8/1961 الموجهة إلى رئيس وزارة الخارجية قال جاباي: “هروب العرب – بغض النظر عن حالات خاصة، أتى نتيجة التأثير المتراكم للعوامل التالية: السياسي، العسكري، الاقتصادي، المجتمعي والنفسي… في الفصول 1 – 6 عرضت وثائق ومواد وشهادات تثبت “دور” كل عامل في عملية الهرب، وفي عملية هرب قياداتهم ومخاتيرهم” متجاهلًا أي دور للقوات الصهيونية في أعمال التهجير. ينهي جاباي رسالته بالكلمات التالية: “كلي أمل أن هذه الوثيقة سوف تخدم الخارجية الإسرائيلية”.

بعد 52 عام من تاريخ كتابة البحث، يتذكر جاباي الاستنتاجات بشكل آخر، أثناء البحث استمع إلى تسجيل تنصت الاستخبارات العسكرية على مذياع محلي الذي كان يبث دعاية قوية للجيوش العربية وفلسطين. في واقع الأمر، الفلسطينيون والعرب لم تنطلي عليهم خدعة الدعاية “الإسرائيلية” بتاتًا ولم يكن هناك أي حديث حول طلب المخاتير من السكان الهرب.

في حديث لاحق معه من استراليا، يقول جاباي، أنه يصعب عليه تفسير الفجوة بين رسالته عام 61 والتي قال فيها أن هروب العرب كان “ذنبهم” وبين روايته اليوم. بحسب أقواله، فقط في حيفا نادت المخاتير السكان للخروج والهرب من المدينة بعد اشتباكات طويلة. وحينها، قابلت القوات الصهيونية العرب المتبقين في حيفا بتفجير السوق العربي على يد عصابات “الهاغاناه” وقتل الفلسطينيين. لا يجزم جاباي أن المعلومات والقصص التي سمع عنها في الملفات السرية هي التي أوصلت به إلى أن يغير رأيه الذي بيَّنه في رسالة الدكتوراة “هروب العرب في الـ 48” .  

النظر في أرشيف الدولة المتاح للاطلاع اليوم يوصلنا إلى تصور واحد: بحسب التسجيلات الخاصة والملفات التي عمل عليها معوز، كل الوثائق تؤكد هروب العرب “بأوامر من قياداتهم”. قبل أن يبدأ معوز في بحثه، توجه إلى “دافيد كامحي” وطلب منه بعض الوثائق، قال له كامحي: “هدفنا هو إنتاج بحث يطلع الناس على أمرٍ ما، أن الهروب عام 48 سببه القيادات والمخاتير العرب وجيش الإنقاذ والجيوش العربية”. قال معوز إن مهمته في هذا البحث كانت محددة مسبقًا وتتلخص في إثبات كل من أن:

 

1) القيادات العربية هي من شجع الفلسطينيين على الهرب.

2) الجيوش العربية وجيش المتطوعين هم من ساعد العرب على الهرب وإخلاء القرى.

3) ساهم الجيش البريطاني وساعد العرب في بعض المناطق على الإخلاء.

4) حاولت مؤسسات ومنظمات يهودية منع العرب من الهرب.

غالبية الباحثين في العالم وفي “إسرائيل” لا يختلفون حول حقيقة طرد الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين من بيوتهم خلال حرب الـ 48 وعدم سماحه لهم بالعودة حتى بعد وقف إطلاق النار.

وفي حين أن التساؤل كان حول ما إن كانت هناك خطة مُعدة مسبقًا لطرد العرب قد وافق عليها بن غوريون، لم يهتم الكثير من الباحثين الذين عملوا على هذه الملفات السرية -بإشراف الحكومة الإسرائيلية- بإيجاد إجابة صادقة لهذا السؤال بقدر اهتمامهم بخلق ذكرى وردية جميلة ونقية عن حرب الـ 48 تبرئ الدولة من مسؤولية التهجير.

للاطلاع على الجزء الأول من المادة : http://bit.ly/2dUl5t2

المصدر : صحيفة هآرتس : http://www.haaretz.co.il/magazine/.premium-1.2021786

Leave a Reply

Your email address will not be published.