ترجمة العساس | بعد سنوات قليلة، سيتمكن زوار البلدة القديمة في القدس من زيارة مدينة إضافيّة؛ القدس الباطنية التي يتمّ حفرها حاليًا. هذه المدينة الجديدة ستحوي كمًا كبيرًا من الاكتشافات والمعالم الأثرية، والطرق والممرات السريّة، بالإضافة إلى قاعات للمناسبات. ولكن ما هو الشيء الذي لن تحويه هذه المدينة؟ الإجابة: العرب، أو أيّ دليل على وجودهم على بعد أمتار على السطح.

منذ عام 1967، توسعت مدينة القدس بشكل لافت، فامتدت شمالًا حتى ضواحي رام الله، وجنوبًا وصولاً لبيت لحم، وشرقًا باتجاه الوديان الصفراء التي تصبّ في صحراء يهودا (صحراء الخليل)، وغربًا على حساب التلال الخضراء. لكن خلال العقدين الأخيرين، توسّعت القدس أيضًا نحو الأسفل، فكانت الأنفاق والأقبية والقاعات والمغارات؛ كما أنّ حدود البلدة القديمة تمددت عميقًا تحت البيوت والطُرقات، وتحت السكان والانتفاضة.

اليوم، يستطيع المرء أن يخطو مئات الأمتار باتجاه الأسفل، ليحتفل في القاعة الباطنية تحت الأرض، أو ليزور المتاحف عبر فجوة من سطح الأرض، أو يصلي في بعض الكنس والمساجد والكنائس، أو يشتري تذكرة لعرضٍ ما في مغارة باطنية.

ولا زالت العديد من المخطّطات تنتظر في خزائن علماء الآثار والقائمين على المشروع لتوسيع المكان بصورة كلية، فالفضاءات ستتصل ببعضها، وستحفر طرق قديمة، وقنوات ستزداد طولًا، وستتكون مدينة باطنية.

ويؤكد منتقدو المشروع أن الحفريات لا تعكس الواقع المقدسي المعقد، وهي تركز على إبراز الحقبة التاريخية اليهودية في القدس متجاهلة الطبقات الجيولوجية التي تمثل العهدين المسيحي والإسلامي. إلى جانب ذلك، تقوم الحفريات بتهويد بعض الفضاءات الإسلامية؛ فالحمام المملوكي تحول إلى قاعة تحمل اسم “الرحلة إلى القدس”، والخان القريب سمّي “قاعة أخرى لجدارنا”.

وهنا يذكر أن الحفر يتم بحسب هي الطريقة القديمة؛ أي الحفر العمودي الذي يهدف الوصول بشكل مباشر للطبقة تحت الأرضية التي تعود للعهد اليهودي، وذلك بدلاً من اتباع الطريقة الحديثة للتنقيب وهي البدء بالتنقيب من الطبقة العليا مروراً بجميع العهود التي مرّت على المدينة، ومن ثم فإن الطريقة المتبعة تمنع اكتشاف الآثار الإسلامية من العصور المختلفة.

تطرح الأماكن الجديدة التي تكونت تحت وبالقرب من البلدة القديمة سلسلة من الأسئلة الصعبة: لمن تعود ملكية الأرض تحت البيوت؟ هل من الصواب دراسة أحد أهم المعالم الأثرية في العالم عبر حفريات هندسية معقدة تتطلب صب آلاف الأطنان من الإسمنت والحديد لتثبيت البيوت فوق الأنفاق؟ هل هذا أسلوب محنك لإقصاء الفلسطينيين وروايتهم من القدس؟ هل من الحكمة الحفر بالقرب من الحرم المقدسي؟ هل ستقسم القدس الباطنية أيضًا خلال أي عملية تسوية قادمة؟ وأخيراً، السؤال الأكثر إثارة للاهتمام: هل أعمال الحفريات جزء من مخطط شامل؟ هل من نوايا لوصل كل الفضاءات والمساحات المكتشفة لتشكل كتلة عامة شاملة؟ إذا كان الجواب نعم، فمن وراء ذلك؟

وفي الحديث عن الجهات الأربع الأساسية التي تعمل على إنشاء “القدس الباطنية”، تذكر: سلطة الأراضي الإسرائيلية، شركة “تطوير شرقي القدس”، مؤسسة “تراث حائط المبكى” ومنظمة “إلعاد”؛ وعلى ما يبدو فإن الأخيرة هي الجسم الأكثر أهمية، إذ عملت خلال العقد الأخير على تمدد المدينة للأسفل.

وفيما يخص جمعية “إلعاد” فهي الجمعية اليمينية باتت مرجعًا أساسيًا لكل ما يتعلق بعلم الآثار في القدس بشكل خاص، وفي “إسرائيل” عمومًا. وفي هذا السياق يذكر أن صحيفة “هآرتس” كشفت مؤخراً أنّ منظمة إلعاد حظيت بميزانيّة تقدر بمئات آلاف الشواقل خلال العقد الأخير، والتي يعود مصدرها إلى تبرعات شركات مسجلّة في الملاذ الضريبي. كما أن المنظمة التي تعتبر الممول الأكبر للحفريّات الأضخم في تاريخ المدينة، منخرطة أيضًا في مشروع “مدينة داود” في حيّ سلوان الواقع جنوبي البلدة القديمة في القدس، وتقوم بحفريات كثيرة كشفت معلومات لا تحصى من عصور مختلفة، كما تعمل على توسعة “الحديقة القومية لمدينة داود”، التي تديرها المنظمة.

وهنا يذكر أن الواقع الديموغرافي لحيّ سلوان، الذي يعج بعشرات الآلاف من الفلسطينيين، تصادم مع أطماع منظمة |إلعاد” التوسعيّة؛ فلم تتم مصادرة أراضٍ من الحيّ، لكن الأنفاق تمر تحت بيوتهم السكان بأمتار قليلة. وهنا يذكر أن السكان تحدثوا عن العديد من المصائب والمشاكل التي سببتها الحفريات، والشاهد على ذلك تشققات الجدران والانهيارات الأرضية، مما دفعهم للتقدم باعتراضين للمحكمة العليا، لكنّهم خسروا القضية في المرتين.

وفي هذا السياق تحدث المحامي سامي إرشيد، الذي مثّل الفلسطينيين في القضية، عن وجود فرصة قانونية جديدة لتقديم اعتراض قانوني جديد على ملف الأنفاق، لكنّ الأمر برأيه يتطلب إبراز مستندات خاصّة بملكية الأراضي؛ وهي مهمة صعبة للغاية بالنسبة للمقدسيين، فتسجيل أراضي شرقي القدس أوقف من قبل السلطات الإسرائيلية عام 1967، ونادرًا ما يملك الفلسطينيون أوراق “طابو” لبيوتهم. وأضاف إرشيد أن المدعي عليه أن يكون مستعدًا لدفع الثمن مقابل اعتراضه، فعندما قدّم إرشيد الادعاء للمحكمة وتلقت العائلات القرار المؤقت، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية كافّة المدعيـن في اليوم التالي تحت ذرائع مختلفة.

وعودة لنشاطات التهويد، يذكر أنه في عام 1993، اشترى متبرع أمريكي يهودي يدعى أروين موسكوبيتش كنيس “أوهيل يتسحاك” بالقرب من حائط البراق. وخلال ترميمه، اكتُشِف حمام مملوكي وقاعة أخرى، وآثار لجسر كان يصل إلى الحرم المقدسي في فترة إيليا كابيتولينا (أي: العصر الروماني القديم)، بالإضافة إلى مبنى آخر يعود لفترة هيرودس الأول. حينها، تمّ تهويد معظم المباني الإسلامية، ونقلت ملكيتها إلى مؤسسة “تراث حائط المبكى”؛ لكنّ لم يسأل أحد قط الأسئلة الآتية: لمن تعود ملكية الأرض؟ بأي قانون يتمّ حفرها؟ كيف تملّكت تلك المؤسسة اليهودية فضاءات ومساحات لم تكتشف إلا في لحظتها؟!

 

رابط المصدر … 

Leave a Reply

Your email address will not be published.