مقدمة العساس | تعلو نبرة تطبيع الدول العربية مع “إسرائيل” في الشهور الأخيرة بشكل مسموع، وسط زيادة تعقيد الحل النهائي بما يتعلق بالقضية الفلسطينية وملفاتها المتعددة، مع زيادة الدعم الأميركي المتمثل بدونالد ترامب لـ “إسرائيل”.

هذا المقال المترجم عن مركز الأمن القومي الإسرائيلي، يناقش إمكانية تطبيع الدول العربية مع “إسرائيل” بمعزل عن تقديم حل للفلسطينيين، من خلال نظرة تاريخية عبر العقديين الأخيرين ومقارنتها بالوقت الحاضر.

 

 

ترجمة العساس | ظهرت العديد من الأساليب والمحاولات لدمج العالم العربي ضمن سياق تقديم مبادرات السلام، وهذا ما نجحت به الولايات المتحدة حينما جلبت العرب للجلوس على طاولة لجنة السلام في مدريد عام 1991، وأنابوليس في 2001، لكن هذا لم يكن كافيًا لجسر الهوّة بين “الإسرائيليين” والفلسطينيين أو لحثّ الدول العربية على التواصل مع “إسرائيل” بشكل مباشر.

ومن ضمن هذه المحاولات، كانت مساعي المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط جورج ميتشل لدفع عملية التطبيع قُدمًا، وتقديم أوباما لمقترح التطبيع السعودي “الإسرائيلي” مقابل تجميد الاستيطان، لكن “إسرائيل” لم تكن مستعدة لذلك حينها.

أمّا عام 2016، ضغط جون كيري على الدول العربية من أجل التطبيع، لكن هذه المرة الدول العربية لم تكن مستعدة للضغط على الفلسطينيين، وكذلك اعتقد كيري أنه من الصعب على العرب الاعتراف بـ “إسرائيل” كدولة يهودية والظهور بالعلن مع الدعوة للتطبيع مادام ليس هناك إطار مفاوضات بين “إسرائيل” والفلسطينيين.

بينما الوضع الإقليمي الحالي تغيّر بصورة كبيرة خلال السنة الأخيرة، بسبب عدة عوامل أبرزها دونالد ترامب الذي يبدو مُصرًا على صفقة القرن، وكونه رجل أعمال وتجارة محبط من تقدّم قضايا أخرى داخلية، فسيدفع ويدعم الدول العربية الخليجية من أجل التطبيع مع “إسرائيل”، ويساعده في ذلك قادة كبار عرب كونه تبنى مواقفهم بالنسبة لإيران وقطر واليمن، وأنه مستعد للدخول معهم في صفقات بيع أسلحة دون مقابل، وخلافًا لمن سبقوه فهو لن يضغط عليهم بموضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من العوامل المؤثر أيضًا، كونه القوّة المؤثرة في السياسات الخارجية السعودية، ويظهر ذلك بمخالفته للسياسة العامّة التي تتعامل مع “إسرائيل” بحذرٍ مفرط، إلّا أنه اتخذ خطوات حاسمة وجريئة وخاطر في قضايا حاسمة مثل دفع الاقتصاد السعودي نحو تخليصه من تبعيّة النفط، بفرض الضرائب، وبالتخطيط لخصخصة جزء من أرامكو، كما يظهر ذلك أيضًا بجرّ المجتمع السعودي لإصلاحات اجتماعגة ودمج النساء بسوق العمل والتعديل على قوانين الولاية ودعم السياحة.

وما يزيد احتمالات دعمه للتطبيع، هو صياغة وعيه وهو ابن الـ 31 عامًا من خلال حرب السعودية وإيران، والحرب السورية، واليمن، وهذا يقابله الهدوء بين “إسرائيل” وجزء كبير من العالم العربي. بخلاف آبائه الذين عاصروا التراجيديا الفلسطينية عام 1948 وحرب حزيران بين العرب و”إسرائيل”عام 1967.

ويتمثل العامل المؤثر الثالث في الأوضاع الإقليمية الحالية، بالقيادة الفلسطينية المستقبلية وتغيير السلطة المتوقع، إذ أن الرئيس عباس عمره قارب الـ 82 عامًا، وهو ليس محبوبًا في الدول العربية ويتمثل ذلك بدعم الإمارات لخصمه علنًا، وعندما تبدأ المعركة على من يرث عباس ستكون الدول العربية مع كل خطوة لدعم التطبيع مع “إسرائيل”.

من زاوية نظر أخرى، لو سيطرت حماس على الضفة الغربية، سوف تقوم كل من السعودية والإمارات ومصر بدعم كامل لـ “إسرائيل” وسوف يوافقون علنًا على دعمها من أجل قمع ومعاقبة حماس، لاسيما إذا تحالفت مع قطر وإيران، بينما لو صعد قائد فلسطيني ترتضيه الدول العربية ستعمل الأخيرة مع “إسرائيل” بالعلن ودون موافقة الطرف الفلسطيني لأنه في حال اعتراضه سوف يهدد شرعيته بنفسه.

ومن بين هذه العوامل وربما يكون العامل الأهم، هو ما يحدث في “إسرائيل” فحكومة نتنياهو الحالية، أغلب وزرائها يؤيدون الاستيطان ويرفضون حلّ الدولتين، ولا تبدو “إسرائيل” كأنها ستأخذ الخطى المطلوبة من أجل التوصل لحلّ مع الفلسطينيين مقابل تطبيع الدول العربية، موقف وزير الأمن “الإسرائيلي” ليبرمان،  عندما يقول: “لا نقبل التطبيع مع الدول العربية كأمر متعلّق بالشأن الفلسطيني”. فهو يعبّر عن رأي السواد الأعظم في الحكومة.

 

في النهاية، ربما على “إسرائيل” الذهاب أبعد من اقتراح محادثات السلام السابقة، والالتزام باقتراح كيري عام 2016، هذا سيسهل على العرب البراغماتيين عملية التطبيع، وسيأتي هذا وسط تلقي خطاب التطبيع بنبرة إيجابية في عدة دول عربية مثل مصر، والأردن، والإمارات، وقطر، والبحرين، السعودية، وعندما تجتمع كل هذه العوامل سيكون لدى العرب الدعم السياسي الأكبر للعلاقات مع “إسرائيل”.

وفي ظل غياب مفاوضات سلام شاملة وذات مصداقية، قد تحظى مقترحات إسرائيلية لاتخاذ خطوات جزئية أو أحادية أو مؤقتة باهتمام الدول العربية، فخطوة أحادية من حكومة “إسرائيلية” جديدة لتقييد البناء في المستوطنات الكبرى، ونقل أراضٍ ذات أهمية إلى السيطرة الفلسطينية وتسهيل حرية الحركة، من شأنه تحسين الأجواء بشكل كبير وزيادة فرص إجراء محادثات ذات أهمية مع الفلسطينيين وبتعاون الدول العربية.

وبنفس السياق، هناك دول عربية سوف تتردد بمباركة الخطوات “الإسرائيلية” دون وجود دعم أو قبول فلسطيني لها، وسط ترك قضايا مختلف عليها مثل اللاجئين والاحتلال والقدس دون ردّ، حينها سيقول الفلسطينيون إن مكافأة “إسرائيل” على خطوات صغيرة سوف يمنع من دفع المفاوضات حول القضايا الخلافية.

وهذا يمكن أن يقود العديد من الدول العربية للتصريح بصعوبة اتخاذ خطوات من أجل التطبيع مع “إسرائيل” في ظل غياب التقدّم بخطوات مع الفلسطينيين، وسيعودون إلى التزامهم بالمبادرة العربية للسلام عام 2002، مع التشديد على أنها خيار استراتيجي للسلام، وأنها كانت مكتوبة بطريقة توفّر المرونة، بالإضافة لأنهم لم يتراجعوا عن مواقفهم السابقة حول حل الدولتين.

ويشكو القادة العرب من أن إسرائيل لم تتخذ أي إجراء استباقي في عرض أفكار معينة يمكن الرد عليها، على سبيل المثال خلال كل نشاطات كيري لم تكن “إسرائيل” مستعدة حتى للنظر في الخرائط، كذلك من عدم إشراكهم بما فيه الكفاية في الجهود الأميركية للتفاوض مع “الإسرائيليين” والفلسطينيين، وهذا إن كانت “إسرائيل” مستعدة فعلًا للتفاوض على أساس مبادرة السلام العربية.

على أية حال، إن رؤية “إسرائيل” لتطبيع علاقاتها مع الدول العربية دون اتفاق مع الفلسطينيين فكرة ميؤوس منها، وحتى الإجراءات المعتدلة للتطبيع تتطلب منها أن تفعل أكثر بكثير مما يتم فعله في “إسرائيل”، ويمكننا القول إن التطبيع مع الدول العربية لا يزال يمر عبر القضية الفلسطينية، وليس العكس.

 

المصدر:مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي
تاريخ النشر:02.10.2018
رابط المادّة:https://bit.ly/2Ngv3UP

Leave a Reply

Your email address will not be published.

التخطي إلى شريط الأدوات