مقدمة العساس | بعد ضغوطات مورست على الحكومة الإسرائيلية من طرف الشارع والإعلام، أفرج الأرشيف القومي الإسرائيلي عن آلاف الوثائق المتعلقة بقضية الأطفال اليمنيين الذين ما تزال عائلاتهم تجهل مصيرهم حتى اليوم، رغم انقضاء أكثر من نصف قرن على وصولهم إلى الأراضي المحتلة. الوثائق تكشف عن تراشق الاتهامات وتهرب من المسؤولية بين عدد من المسؤولين الحكوميين في حينه، كما تكشف النقاب عن ملامح عملية اختطاف ممنهجة للأطفال القادمين من اليمن لصالح اليهود الذين لم يرزقوا بالأبناء.

ترجمة العساس |عثر موظفو أرشيف الدولة على عدة شهادات صادمة، في إحداها فقد أبٌ زوجته وابنه بعدما أُدخلوا المشفى، ووصل هذا الأب حتّى رئيس الوزراء بن غوريون لكن دون نتيجة. طبيبة في قسم الأطفال بمشفى رمبام قالت: “في ليلة واحدة توفِّي ستّة أطفال، لن أنسى هذه الليلة”، وطبيب آخر اتّهم في شهادته عادة يهود اليمن في عدم استعمال اسم العائلة، إنما “ستة أسماء لا يستطيع أحد تفسيرها” بالتسبب في ضياع الأطفال.

بين آلاف الشهادات التي تصفّحها موظفو أرشيف الدولة، في إطار كشف ملفات اختطاف أطفال اليمن، عثر الموظفون على قصص من غير الممكن تجاوزها والتعامل معها باستخفاف. إحدى هذه القصص كانت قصة “يوسف إبراهيم”، وهو مهاجر من اليمن، وصل عام 1949 إلى رئيس الحكومة “دافيد بن غوريون” طالبًا مساعدته في العثور على زوجته وابنه المفقودين. وصل إبراهيم إلى البلاد مع زوجته “كتسيعا”، وابنته “مازال” وابنه “طوف” الذي يبلغ من العمر أسبوعًا. هبطوا في المطار ونُقلوا مباشرةً إلى مخيّم المهاجرين “بردسياه” (بيت ليد)، وهناك فُحِصوا وأُدخلوا للمشفى جميعًا لتلقي الرعاية الطبية، وبعد مرور أسبوع من الزمن شُفِيَ الأب وغادر المشفى، إلا أنه لم يعثر على أثر لزوجته وأبنائه، لقد اختفوا كلهم. نجح إبراهيم في الوصول إلى ابنته “مازال” بعد مدة بمساعدة من أقربائه، لكنه لم يستطع العثور على زوجته وابنه.

قال إبراهيم: “أعطاني شرطي ورقة عليها عنوان مكتب رئيس الحكومة في تل أبيب، ونصحني بالسفر إلى مكتبه وإخباره – أي “بن غوريون”- بمشكلتي”، وبصورة مدهشة استطاع مقابلته. “حدّثته عن الحادثة وأين أسكن، وطلبت مساعدته بالعثور على زوجتي وابني، وأثناء تواجدي اتصل بعدّة جهات، وطلب منهم بصورة مستعجلة البحث عنهم”. عاد إبراهيم إلى “البردسياه” بعدما أعطاه بن غوريون مالًا للمواصلات العامّة، وفي اليوم التالي حضر إليه شرطيان وشرطيّة، وقاموا بعمليات بحث شاملة، ولكن للأسف وبرغم المساعدة، لم يُعثر على ابنه وزوجته، وتبيّن عبر التحقيقات أنهما قد توفّيا.  

بعد الاحتجاج الجماهيري والإعلامي، ونتيجة ضغط عائلات كثيرة، نُشر اليوم في موقع الأرشيف القومي الإسرائيلي 3500 ملفٍ تحوي 210 آلاف وثيقة تتعلق بقضية اختفاء أطفال اليمن في “إسرائيل”. بين آلاف الوثائق وملفات التحقيق التي تفحَّصَها الموظفون بأمر من الوزير “تساحي هنغفي” تنفيذًا لقرار الحكومة بكشف الوثائق؛ عثر الموظفون على الكثير من القصص الاستثنائيّة وغير المعهودة.

“د.أمستر” كانت الطبيبة الأولى في قسم الأطفال في مشفى رمبام، الذي افتتح في يناير 1949، وقد عملت في المشفى حتى عام 1953، كما أنها شَهِدَت على فترة عملها أمام لجنة “كدمي” (لجنة التحقيق الثالثة في قضية اختفاء الأطفال اليمنيين) عام 1996. ولأول مرّة كُشفت أقوالها المدونة في محاضر اللجنة، وكان مما ذكرته: “وضع الأطفال الذين وصلوا إلى القسم كان سيئًا جدًّا، كانوا ينادونني إلى غرفة الطوارئ، وكان ما بين 5 إلى 10 أطفال قد وصلوا في الوقت ذاته، كانوا مريضين جدًّا وفي وضع حرج. نظرت إلى الأطفال وكانوا في حالة صعبة، وفي الحال قُدِّم لهم العلاج الوريدي وعدَّةُ علاجات أخرى، الأطفال كانوا نحيلين جدًّا ويعانون من الجفاف”.

عندما سُئلت “أمستر” إن كان العلاج الذي تلقّاه الأطفال قد نجح، أجابت بسلبيّة: “لم يُشفَوا؛ في ليلة واحدة توفّيَ ستة أطفال، معظمهم من اليمن، لن أنسى هذه الليلة”. وبينما ذكرت الطبيبة أن هنالك أطفالًا تلقّوا العلاج وشُفوا بالفعل، لم يستطع طاقم المشفى التعرف على أسمائهم بتاتًا، “كانت الأسماء مشكلة كبيرة، لقد كان لكل طفل يمنيّ الكثير من الأسماء، لم نعرف الاسم الشخصيّ أو اسم العائلة، ولم نقابل الأهل إطلاقًا”. بعد إخراج الأطفال المتعافين لبيوت استقبال أو عائلات حاضنة، انقطع الاتصال مع الطاقم وذكرت “أمستر” أنهم لم يعرفوا ماذا حصل لهم في النهاية.

الحقيقة المركبة للأسماء لدى اليمنيين تتضح أكثر عبر قصة “سليمان موشيه بهجلي”، الذي توجّه لرئيس الدولة “إسحاق بن تسفي” بطلب العثور على ابنه المفقود في فبراير 1954. توجّه مكتب الرئيس حينها للوكالة اليهوديّة، وللشرطة الإسرائيليّة، ولوزارة الصحّة ووزارة الداخليّة للبحث عن الطفل المفقود. وفي ردٍ موجه لمكتب رئيس الدولة، وُصِفَ “بالأكثر سريّة”، شرح “د.م يهيل”، مدير قسم المشافي في وزارة الصحة، عن الأحداث في حينه، واتهم عادة يهود اليمن في عدم استعمالهم أسماء العائلة إنما “ستّة أسماء متواصلة لا يستطيع أحدٌ سواهم تفسيرها” بالتسبب في ضياع الأطفال. بالإضافة إلى الالتباسات والفوضى العارمة في فترة الهجرة إلى “إسرائيل”، والنقص في القوى البشريّة واللا-مهنيَّة في العمل. كما ألقى “يهيل” باللوم على الأهالي الذين لم يأتوا لأخذ أطفالهم من المشافي، وادعى أن العلاج الجيّد الذي تلقاه الأطفال اليمنيون تسبّب في عدم تعرف الأهالي على أطفالهم عندما حضروا لاسترجاعهم، فملامح الأطفال لم تعد كما كانت قبل تلقيهم للعلاج.

ذكر “يهيل” كذلك ضمن ردّه على الإشاعة: “إن الأشكناز البيض يدّعون موت الأطفال اليمنيين، ولكنهم كانوا يسرقونهم لأنّه ليس لديهم أطفال”. أمّا بحسب نتائج لجنة كدمي، فقد خَلُص المحققون في نهاية الأمر أن ابن “سليمان موشيه بهجلي” توفيّ بعد شهرين من وصوله إلى إسرائيل ودُفن.

صرّح موظفو الأرشيف أنّ معظم شهادات العائلات التي اختفى أطفالها، تتطابق إلى حد كبير مع حالات أخرى مشابهة، بل تكاد تكون تكرارًا لها: بعد وقت قليل من الهجرة إلى أرض “إسرائيل”، انتقلت العائلة للعيش في مخيّم للمهاجرين، وطُلب من الأهالي نقل الأطفال الصغار والرُضّع إلى بيتٍ للأطفال، ولمدّة من الزمن كانت الأمهات تأتين لإرضاع أطفالهنّ وإطعامهم، إلى أن وصلن كالعادة في أحد الأيام وأُخبرن بأنّ الطفل الرضيع مرِض ونُقل إلى المشفى، وبعد فترة زمنيّة أُخبرت العائلات بأنَّ الطفل قد توفيّ.

المصدر: http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4899813,00.html

Leave a Reply

Your email address will not be published.