ترجمة العساس | وُظّف المبنى المؤسساتي لحركة العمل من أجل تقديم الدعم المباشر للاستعمار الصهيوني من خلال توفير موارد اجتماعيّة، تحافظ على مستوى حياة أوروبي لمجموعة الـ “حلوتسيم” (حركة صهيونية نظمت هجرة الشباب اليهود إلى أرض فلسطين) وعائلاتهم في أرض “إسرائيل”. وفي فترة الاستيطان، فضّلت حركة العمل هذا التوجّه فضلاً عن التوجّه الإنساني-الخيري التقليدي أو برامج الرعاية الحديثة.

وفي بحث لنيفريس، الذي يتطرّق إلى أصول دولة الرفاه في “إسرائيل”، يدّعي أن قادة حركة العمل “لم تر مكانًا للعمل الاجتماعي ولا حتّى للعمل الإنساني-الخيري في برامجها”، وحتى إن كان ضرورة لعمل إغاثيّ، فإن المسؤوليّة تقع على عاتق مسؤولين من خارج حركة العمل. مستقبلاً، تحوّل هذا القسم، أي قسم اللجنة الوطنيّة، الذي تأسس عام 1931 إلى وزارة الرعاية الاجتماعيّة في الحكومة الإسرائيليّة.

ويعرض بحث “نيفريس” الاصطدام الأول بين مصطلحات المواطنة الاجتماعيّة والرعاية الاجتماعيّة. فمؤسسات حركة العمل اعترضت على “الرعاية الاجتماعيّة” واعتبرتها نوعًا من التعلّق وفضّلوا برامج مساعدة متبادلة وإدارة مستقلّة للأعضاء.

ومن وجهة نظر حركة العمل، فإن الخدمات الاجتماعيّة تعني “عمليّة مساعدة متبادلة ضمن أطر الاتحادات” و “رفضًا تامًّا للنهج الخيري الذي على الأغلب سيُطالب به المختصون الاجتماعيون ووكالات الغوث الخارجيّة بهدف تنفيذه في البلاد”.

وتوقّع بن غوريون أن اشتراك العمّال اليهود في برامج التجديد الوطنيّة لن تحقق فكرة الصهيونيّة فقط، بل ستحقق كذلك الأهداف الاجتماعيّة للعمّال أنفسهم. وهنا يذكر أن ما يسمى بـ “رأس المال الوطني” وفّر للعمّال مستوى معيشيًا “أوروبيًا”، مما ساعدهم للتفرّغ لتنفيذ المهام الوطنيّة، وكانت الحقوق الاجتماعيّة رافعة هامّة للصهيونيّة، وهذا “التشابه” بين الاشتراكيّة والقوميّة ألغى الحاجة للصراع الطبقي.

ومن بين علماء الاجتماع الإسرائيليين، برزت مساهمة “زئيف روزنهيك” في كشف العلاقة بين حقوق اجتماعيّة معيّنة والاستعمار.  ففي خلاصة بحثه وجد أن “تبلور دولة الرفاه العبريّة في فترة ما قبل قيام الدولة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصراع الصهيوني-الفلسطيني وبالعمليّة الصهيونيّة لبناء الدولة. فقد أقامت أحزاب العمّال اليهوديّة مكاتب للعمل لتضمن وصولها لفرص العمل القليلة المُتاحة في حينه.

ومع قيام نقابة العمّال (هستدروت) عام 1920، اجتمعت مكاتب العمل تحت غطاء النقابة، وفي عام 1930 صرّح “بيرل كتسنلون” بشكل واضح عن الأهداف القوميّة والاستعماريّة لهذه المؤسسة. إذ سأل مستنكرًا “ماذا الذي نريده من مكاتب العمل؟” وأجاب “أن تساعدنا على احتلال سوق العمل… المشكلة هي توسيع سوق العمل للعامل العبري في أماكن العمل العربيّة  على حساب العمل العربي، لكن علينا الكفاح من أجل توسيع سوق العمل العبري حتى في أماكن العمل العبريّ نفسه”.

كما بادرت نقابة العمّال بإقامة مشروع للإسكان العام لأعضاء الاتحاد، وكانت البداية في حيّ “بروخوف” بجانب تلّ أبيب في عام 1920، وتحديدًا على أراضي “كاكال” (صندوق أراضي إسرائيل). وكانت هذه المساكن بمثابة دعم للعمّال اليهود ذوي الدخل المرتفع. من جانب آخر ساهم المشروع بتعزيز الأهداف الإقليميّة الوطنيّة.

وعليه فإن الحقوق الوطنيّة الاجتماعيّة في “إسرائيل” تحمل ختم المشروع الاستعماري بطرق مختلفة، لذا يجب ألّا ننسى أن نقابة العمّال لم تكن اتحادًا مهنيًّا يوفّر الخدمات الاجتماعيّة فقط، بل أيضًا كان مشغّلًا. وفي البداية، ارتبطت الحقوق الاجتماعيّة التي وفّرتها النقابة بكونها مكافأة للمستوطنين الجدد (الحلوتسيم)، إلا أن الاتحاد بلور آلية للسيطرة على المؤسسات من خلال توفير هذه الحقوق.

إن السيطرة على الموارد الاقتصاديّة، التي وفّرتها المنظّمة الصهيونيّة العالميّة، مكّنت من مأسسة حقوق المواطنة الاجتماعيّة لأعضاء المشروع الوطني-الاستعماري ومناصريه. فالمعايير التي منحت وفقها الحقوق كانت سياسيّة وليست مدنيّة، ومن خلال مؤسسات حركة العمل والوكالة اليهوديّة بقيت المعايير السياسيّة ذات أهميّة حاسمة.

وهنا يذكر أن توجّه السيطرة المطلقة لحركة العمل في التوطين لم ينجم عن وجود القيم والقدرات التنظيميّة فقط، بل أيضًا عن الدمج الفعّال بين طموح بناء الدولة والقدرة على توفير عمل وخدمات اجتماعيّة مختلفة للذين “بنوا الوطن”. ما يعني أن نجاح حركة العمل وكسب تعاون المجتمع اليهودي معها كان بسبب تحوّلها لمصدر جذب القادمين الجدد ولمجموعات مجتمعيّة كاملة، إذ عززت ارتباطهم بمواردها الاقتصاديّة الآخذة بالازدياد.

 

المصدر : كتاب “Being Israeli”- מיהו ישראלי ص: 84-88

Leave a Reply

Your email address will not be published.

التخطي إلى شريط الأدوات