مقدمة العساس | في ظل تردي أوضاع غزة الإنسانية تدور في الآونة الأخيرة جدالات واسعة على المستوى السياسي الإسرائيلي بضرورة إعادة إعمار غزة. أثارت هذه الجدالات الرأي العام ومراكز الأبحاث، فما هو هذا المشروع  وما هي أبرز معالمه، يقدّم التقرير التالي الصادر عن مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي رؤية استراتيجية لما يمكن أن يكون عليه مشروع إعمار غزة:

ترجمة العساس | من أجل صياغة أسس لتفاهمات والتزامات لمشروع إعمار غزة واسعة النطاق وهائلة الموارد، يجب تقديم ضمانات لها ولذلك هناك حاجة  للموازنة بين اعتبارات ومصالح مختلفة، التي تتضارب فيما بينها، يتضح التضارب بالأساس بين المتطلبات والمصالح المختلفة على كافة الأصعدة التي يشكلّ فيها الإعمار ضرورة ملحّة منها:

  1. الحاجة الملحّة لإطلاق مشروع ينقذ غزة من كارثة إنسانية بالمقابل يجب كبح جماح حماس.
  2. موضوع عدم تمكين حماس من السيطرة على القطاع يقابله موضوع مكانة السلطة الفلسطينية في الساحة الفلسطينية عامة، وحفظ مكانتها كشريك مستقبليّ في المفاوضات والتسوية الشاملة.
  3. يجب تخفيف القيود على حركة المعابر إلى غزة بالاتجاهين، بالمقابل حفظ أمن “إسرائيل” ومصر وما يترتب على ذلك من تشديد وسائل المراقبة على الحركة الحدودية على المعابر بالبرّ والبحر.
  4. السياسة الإسرائيلية التي ترفض الاعتراف رسمياً بحماس بينما تعترف بها كحاكم فعلي لغزّة، وبالتالي كلاعب مسؤول عمّا يحدث بالمنطقة ، ودون التنسيق/التواصل معه. لا يمكن البدء بإعادة الإعمار ضمن هذه السياسة.
  5. يجب دمج السلطة الفلسطينية في إعمار غزة، بعكس سياسية الفصل التي تنتهجها “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية بين الضفة الغربية والقطاع.
  6. الوعي العالمي بالوضع الإشكالي المتعلق بغزة، فهناك شعور بعدم الجدوى من الإعمار في ظل خطر التصعيد الأمني الدائم وانعدام الأفق السياسي- بالمنطقة عامة وبالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على وجه الخصوص.

بين عناصر التوترات وتضارب المصالح هذه تبرز القضية السياسات الإسرائيلية تجاه حماس، أي عدم الاعتراف بالتنظيم رسمياً، والسعي للتفرقة بين غزة والضفّة الغربية، ومعارضة المصالحة خشية أن تسيّطر حماس على السلطة الفلسطينية. إضافة لذلك تخوفها من خسارة السلطة الفلسطينية لمكانتها نتيجة للاتصال المحتوم بين حماس و”إسرائيل” للمضي في مشروع الإعمار.

ولكن يجب التذكير أن حماس مقبولة إسرائيلياً كعنوان للحوار الأمني، حتى وإن كان بشكل غير مباشر، بوساطة مصري. هذا بالإضافة إلى أن  الاتصالات الإدارية اليومية بين إسرائيل والمسؤولين في قطاع غزة ، والتي ترتبط بالضرورة بحماس ، يمكن أن تشكّل ركيزة انطلاق جيّدة لتوسيع الحوار بالقضايا المدنية. كما أن تذكير صنّاع القرار الإسرائيليين والإسرائيليين أنفسهم بأن مقاطعة حماس على أية حال ليست مقاطعة شاملة، سوف يساعد بتسويق مبدأ التنسيق، وبذلك محاولة التغلب على المعارضة السياسية والشعبية والنفسية لكل مبادرة إعادة إعمار.

وهناك معضلة أخرى تطرح منعطفاً سياسياً يتوجب على إسرائيل التعامل معه لطرح مبادرة عالمية لإعادة إعمار غزة. فبعد سنوات من الجهود الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لإضعاف حماس، ومن ناحية أخرى تجميد المفاوضات، من الواجب على “إسرائيل” رفع الوعي بالوضع المتدهور بالقطاع لحشد الجهود لتقديم الدعم.

وهنا يذكر أن توجّه أنظار العالم لمناطق نزاع أخرى مثل سوريا، ومشكلة الإرهاب الجهادي في الشرق الأوسط والعالم ومشكلة اللاجئين نزلت بغزة إلى أسفل سلم أولويات العالم وخصوصاً أن آخر مواجهة واسعة بين حماس و “إسرائيل” كانت عام 2014، مما يدعم إبعاد ملف غزة من الأجندة العالمية.

ومن جملة الأمور أن مشروع إعمار وتطوير غزة ملح وضروري وينضوي تحت أربعة شروط وأي منها ليس كاف لوحده:
أ) التزام متبادل بين حماس و “إسرائيل” بالهدوء الأمني طويل الأمد، كأساس لتهيئة مناخ مؤات للإعمار وتفادي دمار مستقبلي لغزة. إعداد مناطق آمنة متفق عليها بين حماس و “إسرائيل” لإقامة بنى تحتية كشبكة المياه والكهرباء محايدة للصراع يلتزم الطرفان بحفظها وعدم التعرّض لها أو استعمالها للهجوم.

ب) إشراك السلطة الفلسطينية بمشروع الإعمار وعليه على “إسرائيل” الإلتزام بعدم تعطيل  المصالحة الفلسطينية وإقامة حكومة وحدة وطنية تضع بمركز أولوياتها مشروع الإعمار.

ج) الدور المصري البارز، كوسيط بين حماس و “إسرائيل”، عليها أن تقوم بكبح حماس ومنع تهريب الأسلحة، وفتح دائم للمعبر وفتح المجال لنظام أمن عالمي في المراقبة والتفتيش على المعبر. بالمقابل، السماح لمصر بإقامة مشروع لتحلية المياه وتشغيلها.

د) شراكة إقليمية وعالمية بتأهيل كفاءات ومراقبين للعمل على المشروع وعلى السلطة أن تمنع تسرّب الموادّ المعدّة لإعادة الإعمار لأيدي حماس.

قرار الحكومة الإسرائيلية للشروع في إطار لإعادة إعمار قطاع غزة والقيام بحملة لحشد الدعم والتعاون الإقليمي والدولي في مشاريع التنمية في هذه المنطقة المنكوبة هي نتيجة معادلة ربح وخسارة، ولا تخلو  من المخاطر من قبيل إرساء حماس في المنطقة، وإضعاف السلطة الفلسطينية وفرض قيود على استخدام “إسرائيل” للقوة في حال حدوث تصعيد في قطاع غزة والصعوبات المستقبلية في تحريك وإتمام عملية سياسية نحو تسوية فلسطينية-إسرائيلية شاملة. لكن الوضع في الوقت الحالي هو كما يلي: نظام حماس في قطاع غزة حقيقة. تتعامل السلطة الفلسطينية مع تآكل مستمر لوضعها ؛ ليس لدى إسرائيل والسلطة الفلسطينية أي اتفاق على الشروط التي من شأنها أن تسمح بالعودة إلى طاولة المفاوضات ، إذا كان ذلك فقط لدفع الترتيبات الانتقالية على طريق التوصل إلى تسوية شاملة. ولكن صورة الوضع الحالي تتجسد بأن حكم حماس لغزة هو واقع وحقيقة موجودة. والسلطة الفلسطينية تواجه سقوط لشعبيتها وليس هناك اتفاق يلزمها وإسرائيل العودة للمفاوضات.

لهذه الظروف السياسية المتعلقة بقضية غزة يجب إضافة الوضع الإنساني المتفاقم وخطر التدهور الأمني الناجم عنه. والاستنتاج النهائي واضح: تغيير النهج. هذا المطلب موجّه للحكومة الإسرائيلية والمؤسسات والدول بالساحة الدولية، للسلطة الفلسطينية والدول العربية وإلى قيادة حماس نفسها.

المصدر: مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.