مقدّمة العسّاس | على الرغم من أهمية التطوّر في مجالات التكنولوجيا والسايبر لدى وحدات جيش الاحتلال الإسرائيلي، بات يُنظر إلى هذه الأفضلية النوعيّة كمصدر تهديد أمني حقيقي. فالقبة الحديدية والطائرات المسيّرة وتقنيات التكنولوجيا الحربية المتطورة الأخرى غير كافية لتوفير غطاء حماية وأمان لـ “إسرائيل” التي يشهد جيشها مؤخراً ظاهرة الرفض والتخلّف عن الالتحاق بالوحدات الميدانية المقاتلة. حيث باتت بعض الوحدات خاليةً من العقول النخبوية والنوعية الضرورية لإدارة المعارك الحاسمة. يكشف هذا التقرير الصادر عن مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أبرز جوانب هذه الأزمة وسبل مواجهتها التي على ما يبدو أنها لا تأتي أكلها.

 

ترجمة العسّاس | كشفت وسائل إعلامٍ إسرائيلية مؤخراً عن انخفاضٍ حاد في معدلات الانخراط في الوحدات القتالية في الجيش الإسرائيلي. لم ينشر الجيش سوى بياناتٍ تعود لشهر نوفمبر/تشرين الثاني سجلت انخفاضًا ملحوظًا في الدافعية للانخراط في الوحدات الميدانية لسلاح الدروع والمدفعية والهندسة. ويعزو قائدٌ كبير في الجيش هذا الانخفاض للهدوء الأمني وتغير قناعات الشباب بخصوص الفائدة التي تعود عليهم من الانخراط في الخدمة العسكرية.
هذا الادعاء صحيح جزئيًا، فلا يمكن أن نعزو هبوط الدافع لعامل الهدوء الأمني فقط، فهو عمليًا نتيجة لتراكمات سنواتٍ متلاحقة اختلفت فيها مزايا الخدمة في الجيش الإسرائيلي. فالتطوّر التكنولوجي الحاصل، وتسخيره بشكلٍ مُركّز لخدمة الجيش، نقل مركز الثقل من الوحدات الميدانية المقاتلة إلى الوحدات النوعية و تلك المتخصصة في التكنولوجيا بطريقة ممنهجة ومنظمة أعطت المنخرطين فيها أفضلية على غيرهم من المجندين. فالملتحقون بالوحدات الخاصة، سلاح الطيران، النقباء، الوحدات التكنولوجية والاستخبارات يحظون بأفضلية الحصول على الترقيات والوصول لأعلى المستويات في المؤسسة العسكرية.

تتم عملية فرز الأفراد لإلحاقهم بوحدات النخبة في الاستخبارات من قبل التخرج من المدارس الثانوية، ويتم ذلك عبر نظام هو الأقرب للتسويق من خلال وعودٍ بمستقبلٍ مهني مشرق وتزويدهم بخبراتٍ عملية ستدفع بهم نحو الأمام في حياتهم العملية المدنية، سواء في قطاع الصناعات التكنولوجية المتطورة أو أي مجالٍ آخر. وبناءً عليه، تتبادر في أذهان الشباب تساؤلاتٌ حول مزايا الالتحاق بالخدمة العسكرية الميدانية مقارنةً بتلك التي توفرها الخدمة في الوحدات التكنولوجية. فخريجو الوحدات التكنولوجية والسايبر يؤمنون مستقبلهم المهني بعد إنهاء خدمتهم؛ وليس أدلّ على ذلك مما يُعرض في مؤتمرات وحدة (8200) من الامتيازات والمنح التي يحظى بها عناصرها مقارنة بأقرانهم في الوحدات الميدانية.

تحاول وحدات الجيش الميدانية بذل ما في وسعها لتحسين موقعها في هذه المنافسة، لكن محاولاتها ما تزال غير ناجحة إلى حدٍ كبير. ففي نهاية المطاف يضطرون لقبول أولئك الذين لم يجتازوا عملية الفرز عالية المعايير للوحدات الخاصة ووحدات النخبة والنظم التكنولوجية والاستخبارات. فالوحدات الميدانية لا يمكن أن تضمن للمجندين مزايا تضاهي تلك الخاصة بأقرانهم في الوحدات الأخرى، ما يجعل خيار الالتحاق بها ملاذًا أخيرًا للبعض أو حتى توجّهًا عقَديًا لدى البعض الآخر.

عملية التجنيد مرّت بتغييرات جوهرية عبر العقود الأخيرة. ففي البداية، اتبع الجيش استراتيجية الترتيب وفقاً لاحتياجاته، فلم يكن للمجندين رأي في اختيار الوحدة التي ينخرطون فيها. كما أن نظام التطوع لم يكن متطورًا في حينه كما هو الحال اليوم بحيث يُسمح للمتطوعين التقدّم للالتحاق بوحداتٍ بعينها. ثم ومع تنامي الخطاب النهضوي للحقوق الفردية، بدأ الجيش الإسرائيلي باتباع استراتيجية سمحت للملتحقين بصفوفه اختيار الوحدة التي ينخرطون بها، في محاولة لاسترضاء المجندين -وأحيانا حتى آبائهم وأمهاتهم الأكثر تطلّبا- في ظل التطوّر التكنولوجي الهائل والمزايا التي بدأت بعض الوحدات بتوفيرها للمجندين. وسرعان ما وجد الجيش الإسرائيلي نفسه في حالة تراجعٍ نوعي في مؤهلات المجندين في الوحدات الميدانية. عقب ذلك، أعلن الجيش عن حاجته لأفراد بقدراتٍ نوعية -وليست كمية فقط- في الوحدات الأقل جاذبية، مثل وحدة الدروع، التي باتت تعاني من نقصٍ واضح في السنوات الأخيرة.

تيار رفض التجنيد وصل ذروته في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، حين رفض 86 مجندًا الاستجابة لأوامر التحاقهم كجنود مقاتلين في اللواء المدرع. عالج الجيش الحادث بقوة، فأرسل نصف المستنكفين إلى مراكز مخصصة لإقناعهم وتحريضهم على الالتحاق بالجيش، بينما تم إيداع الباقين السجنَ العسكري لمدد تراوحت بين 4-20 يومًا. في الوقت ذاته، بدأ الجيش العمل على تحسين الصورة النمطية للجندي في أعين المجندين الجدد عبر وسائل الإعلام وعبر لقاءاتٍ تشجيعية لطلاب المدارس الثانوية مع قادة لواء المدرعات.

المشكلة لا تتعلق فقط بمؤهلات ودوافع المجندين في الجيش، أو أداء الوحدات على الأرض، بل كذلك بالجودة النوعية لقيادة الجيش. فمن المتفق عليه أن الوحدات الميدانية هي العمود الفقري لأي مؤسسة عسكرية، والإسرائيلية منها على وجه الخصوص. وتنتج هذه المعادلة من طبيعة الحرب ومركزية المعارك الميدانية فيها. لذا فإن الافتقار إلى عددٍ كافٍ من جنود النخبة في الوحدات الميدانية المقاتلة سيؤدي حتمًا لنقصٍ في القادة أصحاب الكفاءات العالية ذوي الخلفية الميدانية. وفي سعي لمحاصرة هذه الظاهرة ومحاولة التعامل المبكر معها، لجأ الجيش إلى نقل عددٍ من قادة الوحدات الخاصة ووحدات النخبة إلى الوحدات الميدانية ليعملوا على الرفع من مستوى أدائها وتأهيل عناصرها ليصبحوا يومًا ما مؤهلين لتبوء مناصب قيادية في الجيش.

وعلى خلفية ذلك، حذّر قائد لواء الجليل اللواء “هرتسي هليفي” من تعيين مجندي النخبة حصرًا في المخابرات ووحدات السايبر، ومن الفروقات الواضحة بين مزايا الخدمة في وحدات الجيش المختلفة، والتي ستؤدي في نهاية المطاف إلى أن يجد الجيش الإسرائيلي نفسه مستقبلًا مع قادة سرايا ألوية يفتقدون للكفاءة. وكذلك ذكر رئيس الاستخبارات العسكرية، الجنرال “أفيف كوخافي”، الذي صرّح أن “على الجيش الإسرائيلي أن يتطور عبر إيجاد مسارات خدمة يكمّل بعضها الآخر، فعلى سبيل المثال يمكن لضابط المشاة أن يصبح ضابط مخابرات ثم  قائد سرية”. اللواء هليفي نفسه هو مثال على هذا المسار غير التقليدي، فقد انتقل من وحدة المظليين إلى وحدات الاستخبارات.

يستند الجيش الإسرائيلي في هيكليته على مبدأ جيش الشعب، وبالتالي فهو، على عكس الجيوش الغربية، يمنح المواطنين الإسرائيليين ذوي المواهب والقدرات حق التوجّه للوحدات التكنولوجية والوحدات الخاصة مباشرة، ما لا يتيح – وللمفارقة – توفير الأمن لشعب دولة “إسرائيل” على المدى البعيد. فمتى اندلعت الحرب، ستكون الوحدات الميدانية ووحدات الاستخبارات القوة الحاسمة والأكثر قدرة على جلب الأمن.

ويبدو أن قادة الجيش الإسرائيلي بدأوا في السنوات الأخيرة باستيعاب عمق المشكلة ومحاولة العمل على إصلاحها. حيث يتعين على الجيش تطوير مفهوم التجنيد برمته ليراعي مجموعة من العوامل الأساسية بما في ذلك التوزيع المتوازن لمؤهلات المجندين بين مختلف قطاعات الجيش؛ إن تطوير مفهوم التجنيد للجيش ليس فقط مسألة توظيف الموارد البشرية بكفاءة في الجيش، إنما تطوير من منظور واسع بإشراف القيادة العليا.

في حين أن التعامل مع أزمة الاستنكاف عن الانخراط في الوحدات الميدانية هو مسؤولية الجيش، الّا أنه كذلك يشكّل تحديًا اجتماعيًا من الدرجة الأولى. فأ “إسرائيل” التي تواجه العديد من التحديات الأمنية باتت في حاجة إلى تهيئة الشباب بنظام قيمٍ عصري يراعي رغبتهم في تحقيق الذات بينما يمدهم بالقدرة على امتلاك نظرة شمولية لمفاهيم العطاء والتطوع والتضحية التي ما تزال القيم الأهم للحفاظ على وجود “إسرائيل” وأمنها.

المصدر: مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي

http://bit.ly/2BVd29y

Leave a Reply

Your email address will not be published.