مقدمة العسّاس | يُثار بين الحين والآخر جدلٌ في الأوساط الإسرائيلية حول قضية عسكرة وتديين المناهج التربوية المدرسية، فهذه القضية ترتبط مباشرة بالسياسة الإسرائيلية الرامية لعسكرة المجتمع الإسرائيلي ككل. بحيث باتت الدولة أشبه بثكنةٍ عسكرية أو “غيتو” كبير يُملي على سكانه ما يجب أن يعتنقوه من أفكار ويؤمنوا به من مبادئ عبر السطوة البيروقراطية لمؤسسات الحكومة ووزاراتها المختلفة وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم. التقرير التالي مترجم من صحيفة “هآرتس” العبرية ونشر لأول مرة في يوليو 2017.

ترجمة العسّاس | يتعامل الخطاب العام داخل “إسرائيل” مع قضية تديين المناهج المدرسية بمعزلٍ عن قضية أخرى ذات صلة وثيقة بها ألا وهي قضية عسكرة المناهج المدرسية. ففي العقد الأخير، كثّف الجيش الإسرائيلي من المضامين العسكرية داخل المنظومة التربوية في إطار ما سماه “التحضير للجيش الإسرائيلي” الذي يمكن اعتباره نوعًا من البروباغندا العسكرية لتشجيع الشباب اليهود على الالتحاق بالجيش في محاولةٍ لمواجهة أزمة التهرّب من التجنيد.

المثير في القضية هو تماهي وزارة التربية والتعليم مع التغلل الأمني والعسكري في المناهج التعليمية. ففي عام 2013 بلغ هذا التماهي ذروته حين تم إجراء تقييم لأداء المعلمين المنخرطين في برنامج “عوز تموراه” في المدارس فوق الابتدائية وكان واحدٌ من كل خمسة معايير تقييم متعلقاً بنسبة خريجي المدرسة الملتحقين في “الخدمة الوطنية الإسرائيلية”. بالأساس، يهدف هذا البرنامج لمكافأة المعلمين وفقًا لمعايير معينة وإنجازات تربوية تعليمية داخل المدرسة.

المشكلة تكمن في أن هذا المعيار – المتعلق بإقناع المعلمين لطلابهم أن ينخرطوا في التجنيد – هو فقط ما يُحدد أحقية المعلمين والمدرسة في الحصول على المكافأة، التي من المفترض في الأساس أن تكون نظير تحسينهم لمستوى تحصيل الطلبة الأكاديمي. فلا يتم النظر إلى الإنجازات الأخرى للمدرسة أو المعلمين، كالتنشئة الديموقراطية مثلًا، على أنها إنجازات مهمة تستحق التقدير. وبذلك، تصبح “إسرائيل” التي تدعي أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط – الديمقراطية الوحيدة في العالم التي تدفع رسوم وساطة للموظفين العموميين مقابل تجنيد الشباب في الجيش. ومما لا شكّ فيه أن قياس الإنجاز التعليمي وفقًا لمثل هكذا معايير يخلق تحيّزًا صارخًا نحو تشجيع الانخراط في الجيش. ويتعمّق هذا التحيّز بفعل المنافسة بين المدارس الثانوية على الحصول على الجائزة والترتيب الأعلى في عدد الخريجين الملتحقين بالجيش؛ خاصةً بعدما بدأ الأخير بنشر بيان بالمنتسبين إليه بشكل سنوي.

تديين المناهج التعليمية وعسكرتها نهجان يسيران بشكلٍ متوازٍ في “إسرائيل”. فمنذ السبعينات، عمل القادة “العلمانيون” على تغذية خطابٍ عام  يقيم علاقة وثيقة بين العقيدة اليهودية والنوعية التي يصنف وفقها الجنود. يشكّل هذا التقارب أسطورة حضارية لا أساس لها، ولكنها أصبحت تدريجيًا حقيقة لا جدال عليها. الهدف من هذه المقاربة الملتبسة كان توظيف عنصر الدين لخدمة المشروع العسكري الصهيوني. وعلى غرار عملية التديين التي بدأها الجيش في صفوفه في القرن الحادي والعشرين، تغلغلت هذه العملية إلى قلب نظام التعليم العلماني منذ أن كرّس نفسه لتشجيع التجنيد.

وعليه ليس من المستغرب مشاركة منظمات دينية في المدارس الثانوية بالتزامن مع انتشار مشروع “عوز تموراه” الذي تشرف عليه وزارة التربية والتعليم حتى في فترة ما قبل ترأس حزب البيت اليهودي للوزارة. وكما هو الحال في الجيش، تتوفر للمدارس كافة أدوات الدعاية للتجنيد والخدمة العسكرية، الأمر الذي يعمق منهجية عسكرة التعليم في “إسرائيل”. الأمر ليس مجرد مسألة عرض واقتراحٍ من قبل وزارة التعليم الراعية للمشروع، بل هو جهدٌ منظم نابع من قناعة المعلمين والعاملين في جهاز التربية والتعليم اليهودي بأهمية تسخير العملية التعليمية لخدمة الأيديولوجيا الصهيونية. الأمر الذي أحسنت الجماعات الدينية استغلاله.

جاء في تقرير مركز “مولاد” حول تديين جهاز التربية والتعليم أن مشروع “عوز تموراه” هو المشروع الرائد الأكثر نجاحًا  لليمين الديني. وهو بمثابة أداة تجريبية للتلقين الأيديولوجي الديني الفعال الذي يمتد نطاق تأثيره ليشمل الطلّاب عامّةً وليس فقط الطلّاب المشتركين فيه. وعلى سبيل المثال، ترى الكثير من المدارس والسلطات المحلية أن “رحلة إسرائيل” التي يقوم بها طلّاب الصف الحادي عشر وتستمرّ لستة أيام تنتهي قبل عطلة السبت هي وسيلة فعّالة للتجنيد ما قبل التخرج من المدرسة. لكن للمفارقة، اقتبس التقرير تصريح أحد مدراء المدارس في تل أبيب الذي قال فيه: “ساهمت هذه المدرسة بشكل كبير في رفع نسبة التحاق الخريجين بالجيش… لكننا اليوم نخجل من جرائم هذا الجيش”.

 

المصدر: http://bit.ly/2DKDlDZ

Leave a Reply

Your email address will not be published.